إنّ أشهر المؤسّسات الدّيمقراطية ديمقراطية كتابة السّيرة الذّاتية وتدبيج حكايات اليوميات، بحيث يحقّ لكل شخص وليس بالضّرورة المشهورين في مجالاتهم مثلما يعتقد غالبا، تجميع شتات ذاكرته والتّصالح مع نفسه كي يروي ماجرى، حتى يفلسف مروره في هذه الحياة ويتسامى به عن مقتضيات ودواعي العبثية. السّيرة الذّاتية شاهدة قبر لاغنى عنها، حتى يتشكّل مفهوم الحياة بوعي حر وإرادة واعية.
هناك تصوّر لاأعلم مدى صحّته، يؤكّد بأنّ كتابة السّيرة تستحضر خياليا وليس واقعيا الحياة التي تطلّع صاحب السّيرة كي يعيشها حقا، وليس التي عاشها فعلا مثلما يفهم من الوهلة الأولى. مقابل ذلك، أقول، بأنّنا نعيش الحياة غالبا بالفطرة، لكنّنا حتما نعيد كتابتها بمجمل كياننا، عندما نجلس طيلة ليالي إلى طاولة أمام إصغاء صفحة بيضاء كي نسامر حميمة الذّاكرة. السّيرة متنفّس مجّاني مع نتائج مضمونة، سفر حرّ ولانهائي في الزّمان، تطهير عميق، صفح وسلام داخلي، وصية وصايا، ولادات على منوال الفنقس. نعيش بيولوجيا مرة واحدة، لكن حين التحوّل بماعشناه إلى خيال الكتابة هنا تنتصر الحياة على الموت وتأخذ الحياة معنى الأبدية.