أصدرت دار ومكتبة أهوار للنشر والتوزيع العراقية (بغداد)، كتابا جديدا للباحث والمترجم سعيد بوخليط تحت عنوان :''بعض تاريخ الصّراع الفلسطينيّ-اليهوديّ : دراسات، حوارات، رسائل".
تعتبر صفحات هذا العمل التي قاربت خمسمائة وستة وثلاثين(حجم الكتاب 1421x سم )،حصيلة تجميع وتوثيق لجملة نصوص انصبّت مضامينها على نقاش إشكالية الصّراع الفلسطينيّ اليهودييّ و تحديدا عنصرية العقيدة الصّهيونية التي أفرزت على امتداد تمدُّدها وترسُّخها العالمي منظومة توتاليتارية، وعسكرية-دينية متطرّفة للغاية، بل إنَّ منظومتها الإيديولوجية بصدد تقليص دائم ومستمِرٍّ لمجال أنصار العلمانية والدولة الحديثة وقيم التمدّن والتّعايش، مقابل توسُّع وتوطُّد قاعدة الشّوفينية العقائدية؛ لاسيما اللاّهوتي المؤمن بالعنف، الذي استلهم النّصوص التوراتية، الدَّاعية إلى ترسيخ دولة إسرائيلية ''نقيَّة'' تماما من شوائب باقي الأجناس والعقائد الأخرى غير اليهودية، يسكنها فقط شعب مختار ومميّز دون العالمين بوعد إلهي حتميّ.
تضمّن هذا العمل أطروحات مختلفة،سعيا لفهم جوانب من الأصول التاريخية لسياق هذه القضية التي قاربت مدّتها حاليا ثمانية عقود أو أكثر، ولاتبدو أنّها تستشرف حلاّ شاملا على الأقلّ ضمن المدى المنظور، بل ربّما ازداد الوضع تعقيدا وعبثية نتيجة هيمنة التطرّف الديني الدّموي على القيادة السياسية داخل إسرائيل، وتراجع هامش فكرة الدّولتين في إطار أفق تعايش شعبين متجاورين،في ظلّ سياق دولي منحطٍّ جدا تراجعت معه كثيرا رمزية المؤسّسات القانونية الدولية التي بوسعها الإشراف على مشروع إنساني من هذا القبيل،أمام استفحال آثام الليبرالية المتوحِّشة ودخول العالم فوضى رهانات اللّوبيات المالية والاحتكارات الاقتصادية.
لم يكن ساعي البريد مثلما عاينتُ زمنه مجرّد موظّف عمومي عادي يؤدّي وظيفة يومية روتينية، بل هو رمز ارتبط خلال عهوده الزّاهرة ارتباطا شبه عضوي بمختلف جماعات الأحياء السكّانية، ينقل إليهم الرّسائل و الطّرود بمختلف أنواعها والاشعارات، كما يحيط بالتّفاصيل الكبرى لهويّات المنازل وتواريخ أفرادها وقصص أهلها، يستضيفه أهل الحيّ، يلج البيوت بعفوية دون تكلّف، يدعونه خلال المناسبات، وتقاسم الوجبات، بحيث ارتقت العلاقة معه إلى المستوى الأسريّ والعائليّ.
يستحيل على أجيال ماقبل المنظومة الرّقمية، عدم استحضار ذاكرة ساعي البريد وحكايات شتّى تختلف وتتباين مفعمة غالبا بسلوى الحنين، لكن تلتقي خيوطها عموما عند واقعة مفصلية اختبرها الجميع بحلاوتها ومرارتها، أفراحها وأتراحها، أقصد تحديدا فترات نهاية الموسم الدّراسي حينما تبعث إدارات المؤسّسات التّربوية نتائج التّقويم إلى أولياء وآباء التّلاميذ عبر خدمات ساعي البريد وقد وضعها ضمن محتويات تلك المحفظة الجلدية الصّفراء المهترئة على سلّة مقود درّاجته الهوائية أو النّارية.
كان أقرب أخوالي إلى قلبي صدقا، خالي عثمان بعد فترة تعارف قصيرة.غادر الرجل المنزل منذ أواخر الخمسينات نتيجة شجار بسيط للغاية مثلما يحكى مع جدّي، بسبب عبارة ساخرة صدرت من فم الأخير، مضمونها حقيقة يحتمل معنيين حسب طبيعة مزاج سياق الحديث :
-''ما الذي تحتاج إليه أيّها العاري؟ خاتما يا سيّدي''.
معنى مستفزّ نتيجة ملاحظة جدّي نحو تزيين خالي لأصبعه بخاتم فِضّيّ لا غير حسب رواية أمّي.
خرج خالي غاضبا جرّاء العبارة السّاخرة ولم يعد سوى بعد مضي أربعة عقود تحديدا نهاية الثّمانينات وقد غمر الشّيب رأسه وصار شيخا.التقطت عنه أخبارا يسيرة طيلة فترة غيابه، أساسا من فم أمّي التي تحبّه وتضمر له مشاعر الامتنان، بحيث احتفظت بين تلابيب ذاكرتها برسوخ واقعة اصطحابها معه وهي طفلة صغيرة مرتدية قفطانا تقليديّا إلى سينما الحيّ لمشاهدة الفيلم الهندي الشهير "منغالا البدوية''.
أصدرت دار سامح للنشر في السويد،عملا جديدا للباحث والكاتب سعيد بوخليط تحت عنوان :''نوستالجيا حكايات من أزمنة مراكش''.سبع وعشرون نصّا سرديا على امتداد مائتي صفحة، استعادت حكاياتها أزمنة وأمكنة وسياقات مراكش العتيقة مثلما عاشها المؤلِّف خلال طفولته وشبابه،قبل أن تأخذ المدينة وجهة أخرى منفصلة تماما عن أصول تراثها الحضاري العريق،نتيجة مقتضيات العولمة وليبراليتها المتوحّشة انمسخ معها المكان إلى مسوخ مشوهّة بلا حواسّ ولا حياة،فاستُنزف جوهر الإنسان وأُفرغ من معناه الجدير به.الذّاكرة هنا ليست رثاء ولا مقبرة أموات،بل هي ترياق حيوات ممكنة و قابلة للانبعاث على طريقة طائر الفنقس.