مقالات نقدية ماكِينَة الأوهام
2022 - 09 - 25

كلما انكمشت آفاق مساحة الكرامة الإنسانية، اتسعت بسخاء رقعة سلطة الأوهام. بقدر مايتراجع وازع التأمل والتأويل الذاتي الحر، انبعثت ضمنيا وظاهرا مثيرات الأوهام العظيمة التي يشبه مفعولها الهدام  أفيونا من النوع النادر.

عندما، تتوارى إلى الخلف أسباب الحرية وتجلياتها الوضَّاءة وممكناتها، حسب دلالاتها المدنية الشاملة، سيتصدر طليعة المشهد عمى صناعة الأوهام والتفنن المَرَضي بخصوص تكريس التِّيه والتمادي ،نحو  دَرَكِ العدم غاية انغماس كل شيء بين طيات ظلام حالك؛ ليله كنهاره، ثم  يختلط كل شيء بكل شيء. يضيع العقل . تنهار الحقائق .تتساقط البناءات القويمة تباعا. ينتهي الجميع عند جحيم غير كل أنواع الجحيم المعهودة. 

صناعة الأوهام وبثِّها وإشاعتها والانتصار لها، مرجعية الجبناء، وديدن ضعاف النفوس. الشخص الشفاف، الشجاع، السوي، المنسجم مع قناعاته الذاتية، ينصحكَ بالقول الصادق، ويفصح عن مايريد الإفصاح عنه دون تقليص ولاتمطيط ، وأنت حرّ في المجاراة أو الرفض.

مقالات نقدية غالب هلسا وغاستون باشلار
2022 - 09 - 06

 ربما، حينما نستحضر تيمة المكان بالنسبة لتاريخ الأدب العربي، يتجه تأويلنا تحديدا دون تردّد نحو فترة الشعر الجاهلي، نتيجة المساحة الكبيرة التي شغلتها موضوعة الأطلال بالنسبة إلى هواجس وأفكار وتخيُّلات ورؤى وأحلام وذكريات وتطلعات وأشواق، ذلك الشاعر المتنقل باستمرار عبر مجاهل الصحراء و مغاورها . 

هكذا، تراكم تشكُّل ملامح تلك المقدمات والمرثيات ذات الطابع البكائي غالبا على أطلال أمكنة غير معلومة؛ متوارية بعيدا جدا خلف كثبان رملية متناثرة، التي أرست ثابتا بنيويا ضمن المكونات الهيكلية الجمالية للقصيدة العمودية، ومثَّلت ضمنيا من الناحية النفسية تعويضا لاشعوريا عن استلهام لاواعٍ لمكان مفترض، بدلا عن واقع اللا- مكان المتسيِّد لجغرافية سراب الصحراء.

مقالات نقدية محمد عابد الجابري وغاستون باشلار
2022 - 08 - 22

استند المشروع الفكري الذي تبناه الأستاذ محمد عابد الجابري، على مجموعة مرتكزات بنيوية أساسية، صاغت مشاربه المفهومية دون كلل أو نكوص طيلة أربعة عقود، وفاء لهواجسه البحثية الإيديولوجية، التربوية، الابستمولوجية .تبعا لمقتضيات ثلاث جبهات أساسية؛ ظلت متلازمة بكيفية هيكلية أسئلة أوراشها :

*تحقيق قطيعة نوعية مع منظومة المجتمع القديم، بتوطيد روافد مشروع مجتمعي تحديثي ،قوامه الدولة الوطنية الديمقراطية؛

* بناء عقل جديد والنهوض بالإنسان على جميع المستويات؛

* التحول وجهة العمل القومي، ارتباطا بآفاق التحرر العالمي.   

في سبيل مختلف ذلك، تجلى بوضوح على سبيل التمثيل لا الحصر، نسق إجرائي خَلاَّق اشتغل إجرائيا بكيفية جدلية وتكوينية، ضمن أطروحات عشرات مؤلفات الأستاذ الجابري :

العقل، العقلانية، النهضة، البنية، الديمقراطية، الحداثة، التراث، الأصالة، المعاصرة  الأنوار، الكتلة التاريخية، الخطاب، التكوين، الايديولوجيا، الابستمولوجيا، الابستيمي، التدوين، الأخلاق، الوعي واللاوعي السياسيين، القطيعة المعرفية

نسق مفاهيمي ثري، تتبادل عناصره مواقع ومستويات حضورها حسب سياق التأويل ثم مدى إلحاحية القضية المركزية التي شغلت تفكير الأستاذ الجابري، خلال هذه المرحلة أو تلك، ارتباطا بالمقتضيات التأويلية لغايات المشروع ومرجعياته المطلوبة.من ثمة، تنوع وتطور تشكُّل تلك الإشكالات المحورية دلاليا، قدر تنوع أصول مصادرها؛ نتيجة انكباب الأستاذ الجابري على قراءات مستفيضة لنتاج نظري حديث ومعاصر ألهمه جوانب كبيرة فيما يتعلق بميكانيزمات تفعيل منهجه، الذي حاول وفقه فهم التراث العربي بطريقة مختلفة عن باقي التأويلات السابقة، وكذا استيعاب ممكنات الخطاب النهضوي، وأخيرا تشريح وتفكيك منظومة العقل العربي :

مقالات نقدية ماذا يفعل الموتى بموتهم؟
2022 - 08 - 17

 ''أن تغادر الحياة في يوم من الأيام، دون معرفة متى، ولا كيف،أو استيعاب لكل ماجرى؟. تبقى فقط إمكانية قولك شكرا''.  فرانسوا دافيد (شاعر فرنسي)   

بغض النظر عن هوية الحياة والموت، ثم أيهما أولى حقا بحمولة دلالات أنك ميت أو حيّ، بمعنى ما المعايير التي لايحيطها شك، وبوسعها تعيين، متى تكون الحياة حياة، والموت بمثابة استنفاد نهائي لدلالة الحياة؟ . 

إذن، وإن سلمنا بتوافقات منظومة العقل الجمعي، يكمن إلحاح قوي بخصوص السؤال الشهير :  هل توجد حياة بعد الموت؟ سؤال تقاسمت حيزه الكبير، أساسا تأويلات الدين والعلم.

يحسم الأول جوابه مؤكدا على ضرورة ترقب الإنسان مطلقا لموعد ثان؛ مع حياة ثانية غير الحياة الأرضية، يفصل بينهما طارئ نوعي يتمثل في الموت العظيم، الذي سيقع التخلص من وطأته الفظة و المباغتة حين الانتقال إلى عالم الهناك، بحيث سيعيش الإنسان سرمديا وكائنا حيا بكيفية لانهائية.

بينما ميز العلم، الارتياب بخصوص هذا السؤال الملغز؛ ولم يحسم أمره عند خلاصة جامعة مانعة، بل ظلت التأويلات متباينة؛ رهينة مستويات الحس الروحي والإيماني الحاضرين لدى كل عالِم  ودرجات اعتقاده بخالق لهذا الكون، فيترك مجالا لاحتمالية إمكانية وجود حياة أخرى؛ غير هذه الحياة، أو إقراره المطلق بالعدم المادي. 

أيضا، يطرح سؤال بهذا الخصوص، حين الإمعان في التأمل : أيهما ليِّن الحمولة بالنسبة للإنسان، وأخفّ ثقلا على كاهله :أن يحيا حياة منتهية، فيصير عدما بلا أثر يذكر؟ أم بقاؤه إلى الأبد على ذات الأمل؛ لايأمل في أي شيء آخر؟ ربما تستلهم الحياة محرِّضها وحافزها، أن الفرد متأهب لمعركة الموت ! .

كيفما جاء التأكيد، يسود بقوه هاجس اكتشاف طبيعة حيوات الأموات ، ومدى  مماثلة أنماطها  للعالم السفلي، أو جِدَّتها التامة؟ حقيقة، إن كان مابعد الموت مماثلا لما جرى هنا، وتكبد الإنسان جراء ذلك تجربة الموت، فما جدوى تفاصيل الحكاية أصلا، بما أن التغيير لم يتحقق، أم أن العالم العلوي الجديد، سيكون مختلفا؟. وضع مأمول، لأنه وحده يضفي على الموت معنى ، مميزا إياها بعد كل شيء عن الحياة

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار