أحمد الغول أو بوخبزة الحمامصي، أشهر طفيليّ عرفته في حياتي وأمضيت معيّة حضور قصصه اليومية ردحا لا بأس به من وقائع طفولتي الأولى، داخل الحيّ المرتبط اسمه بضريح أبي العبّاس السّبتي.
كنت أراقب بدهشة وأنا صغير في حدود سنّ السّابعة، أشكال تناوله الطّعام بنهَمٍ شديد فيقلب اللّقمة تقليبا بيسر آلي مثير للضّحك؛ كيفما جاء جنسها أو صيغة تشكّلها: خبز، حساء، لحم، فاكهة …بوتيرة تُجَاري سرعة غمزات العين قدر تواصلها وفق إيقاع موزون، لايختلّ نظامها الموسيقي دون تلكّؤ أو تباطؤ أو تعثّر ولامجرّد اكتراث يذكر بمستويات الحرارة و البرودة، بل ولايهتم قط بالشّوائب العالقة بها من عظم وشحم.
عاش أحمد الغول تحت أسقف الغرف الصغيرة و مآوي المكفوفين المترادفة عند مدخل الضّريح.تقول الرّواية المتوارثة داخل الحيّ بأنّ زوجته وابنتيه تخلّين عنه منذ زمان، ممّا أفقده جانبا من صوابه، والتجأ إلى فضاء أبي العبّاس السّبتي كي يعيش بوهيميا على التسوّل وعطاءات المحسنين، مقابل بعض خدماته التي يسديها أساسا يوم الأربعاء إذا أسعفتني الذّاكرة،مادام سياق هذا الحكي يعود إلى منتصف السّبعينيات حينما كانت السّلطة العمومية أو تحديدا دار المخزن مثلما تداول أهل الحيّ الوصف،ترسل سيّارة كبيرة من الخبز ثم بقرة سمينة أو عجلا بدينا ثمّ ناقة خلال احتفالات عيد المولد النّبوي التي تستمرّ أجواؤها سبعة أيّام.يلعب الغول دورا محوريا طيلة ساعات كرنفال يوم الأربعاء على مستوى ذبح البهيمة وسلخها وتقطيعها إلى أجزاء كثيرة وتوزيعها على المكفوفين،طبعا يستفيد من حصّة زائدة بحكم خدماته .
لازالت ذاكرتي تردّد نفس الرّنين الذي أثارته منذ شتاء 1984 وأنا صغير داخل حجرات المدرسة الاعدادية، عبارتان سمعتهما صحبة زملائي التّلاميذ ظهيرة ذلك الزّمان البعيد. أخبرتنا أستاذة اللّغة العربية السيّدة زهرة؛أو اللاّزهرة مثلما كنّا ندعوها، بما يلي:
-إسرائيل مجرّد كلب حراسة منطقة الشّرق الأوسط الاستراتيجية والغنيّة بالنّفط.
- يقال بأنّ اليابانيين بدأوا في تطوير جهاز لاسلكي يمكّن من التّواصل مع شخص ثان في مكان بعيد، وأنت تراه ويراك عبر شاشة مثل شاشة التّليفزيون.
الإقرار الأوّل، لم يكن جليّا كفاية آنذاك كما اتّضح بعد سنوات، بحكم شحّ المعلومة بل ندرتها، ثمّ الفكرة الأيديولوجية السّائدة آنذاك في عزّ الحرب الباردة حيث صورت أمريكا باعتبارها قوّة عظمى محايدة تماما لاعلاقة لها بصراع المنطقة، بل تلعب دور الوساطة من أجل التّقريب بين وجهات نظر الفلسطينيين والإسرائيليين.
بينما الإشارة الثّانية المتعلّقة بالذّكاء الياباني، فقد كان وقعها على انتباه تلاميذ الفصل أكثر حدّة بل شرع بعضهم من هول غرابتها يبدي إيماءات السّخرية غمزا ولمزا من معلومة اللاّزهرة التي أحببناه واحترمناها لقدراتها المعرفية والتّربوية، فلم تستسغ إمكانيات خيالهم ربما حدوث شيء من هذا القبيل.
مضت تقريبا خمسة عشر سنة. أواسط التّسعينيات، أعاين دون سابق إنذار أمام عينيّ شخصا يتواصل عبر هاتف محمول، في شكل وحجم قارورة صغيرة.
مع بداية الألفية الثّالثة، اتّخذت التّطوّرات وتيرة انقلابية نتيجة طفرة السّيبرانية والإيميلات، وبدأ مفهوم الهاتف المحمول يشقّ طريقه ثم انتشرت موضة محلاّت الأنترنيت.
أخيرا، بدت ملموسة حقيقة الحكاية التي روتها الأستاذة قبل أكثر من عقد صحيحة وملموسة وعاينتُ نبوءتها فعلا على أرض الواقع، لكن بدل وجهة روح ما بعد حداثة اليابان، أخذت عندنا الرّقمنة سبيل أفق مختلٍّ، عكس روحها الأصلية، كي ننتهي إلى مجتمع الفرجة الشّمولي بلا خصوصيات ولاحرّيات ولاجوهر إنساني، حيث يوميات تلصّص الجميع عبثا على الجميع.
عبّاس أو العبسي مثلما جرى تداول لقبه على لسان الأصدقاء، حفّار قبور من نوع خاص صادفتُه خلال حقبة من حياتي، ولم يسبق أن اقتربت قبل معرفتي به من عالم حفّاري القبور، أو جمعتني صداقة أو قرابة بشكل من الأشكال مع أشخاص يمتهنون هذه الحرفة.
كنت أعاين عن قرب مايفعلونه لحظات تواجدي داخل مقبرة حين مواكبة مراسيم دفن ميّت. ألاحظ كيفية ولوجهم وسط القبور وتحديدهم نوعية أبنيتها بملامح عادية وباردة دون تغيّر يذكر أثناء إغلاقهم فجوات القبور ومواراة الأموات الثرى، مع أنّها لحظة مهيبة للغاية بل أحيانا يتجادلون فيما بينهم بكيفية أقرب إلى الشِّجار بخصوص التّوافق على ألفبائيات العملية.
كيف يتمثّل هؤلاء الموت باعتبارها مصدر عيشهم؟ كلّما ارتفع عدد أموات اليوم الواحد، زاد دخلهم، بالتّالي لم تعد مصيبة بل مهنة مربحة في المقابل تبعث الحياة. انتمى العبسي إلى هذه الجماعة مجسِّدا بامتياز شتّى تناقضاتها مع بصمته الخاصّة، فترة سياق معرفته به أوائل التّسعينيات.
حفّار قبور غير عادي، شخصية مركَّبة، امتلك قدرة غير عادية على توظيف تناقضاته الذّاتية بهدف استثمار مختلف فرص اليومي لصالحه وعلى طريقته، ممّا جعله يرتقي من مجرّد صبيّ يكابد مختلف أنواع الفاقة والعوز، هاجر رفقة أسرته من الضّواحي إلى مراكش، ثمّ غادر فصول الدّراسة بعد فترة قصيرة، مستسلما إلى أحضان الشّارع كي يمارس أيّ شيء يدرّ دريهمات.
يؤكّد غاستون باشلار باعتباره حالم كلمات بامتياز حقّا، أنّ الأسلاف تلفّظوا كلمة مصباح بكيفية تختلف عمّا تفعله وتبديه شفاه اليوم، ويسرد مثال لفظة لَمْبة التي صارت راهنا تثير الضّحك نتيجة افتقادها تلك الألفة التي منحت الأشياء طيلة أزمنة الماضي صفة التملّك: ''من بوسعه اليوم القول: مصباحي الكهربائيّ مثلما كان يقال فيما مضى: لُمْبَتي؟ آه! كيف بوسعنا الحلم أكثر، في خضمّ انحدار نعوت المِلْكِيَة، نعوت تخبرنا بكيفية قويّة عن رفقة نسجنا خيوطها مع أشيائنا؟ ''(1).
افتقد المصباح الكهربائيّ بشكل عام ينبوع تأمّلات شاردة أثارها دائما الجلوس أمام لَمْبة متوقّدة تبعث شعلة ضوء بفضل الزّيت، فالفعل الميكانيكيّ الجديد الذي يحدث الضّوء بواسطة فعل آليّ يقتصر على تدوير مفتاح، أضاع ذلك الكبرياء المشروع كفاعل لفعل أضاء. نقرة صغيرة تحدث تغيّرات معكوسة من فضاء أسود الى آخر مضيئ؛ واللّعب بكيفية لانهائية لعبتي نعم ولا. استساغة المعطى الميكانيكيّ تجعل الظّاهراتي يخسر زخم فعله، تتلاشى كثافة شعرية اللّحظة التي انطوت على أثر جليّ حينما كان المصباح إنسانيا جدّا.