مقالات نقدية 20 يونيو ..وتنقضي سنة أخرى من حصيلة حياتي
2022 - 06 - 21

  (1)

بعد مضي كل هذه العقود، بادرت هذه السنة كي أتذكر كتابة للمرة الأولى على طريقة الثقافة النمطية الخاملة، ذكرى انتمائي إلى هذا الوجود.اعتقدت دائما بأن تخليد الولادة أو الموت، غير مرتبط بلحظتين ذات أبعاد كلاسيكية مقيدة بسياق زماني؛ أو أن الشخص تتحدد هويته تبعا لمكان معين، بل تبقى المسألة نسبية ومحض ذاتية وخاصة للغاية، قد يحتفل بها الشخص على طريقته كل آن وكل يوم، وقد لايعبأ قط بأمر فولكلوري من هذا القبيل. 

أيضا، رغم الاحتفال من عدمه، وكذا الإحساس حقا بمضمون حدث قدوم الفرد إلى الحياة، فلا يمكنه التحقق سوى داخل الذات ضمن انسيابها المتعدد، وليس بتوثيق بيروقراطي أو إعلان إداريين. المسألة وجودية لحظية،عالقة بمختلف اللحظات؛ ينبغي على الشخص إدراك كيفية تحويل حياته إلى لحظة خلاَّقة، تجسد جلّ إمكانياته المنفتحة بالطبع على اللانهائي : الفرد طاقة لامتناهية.

(2)

جراء كل إعلان رسمي بولادتي صبيحة 20 يونيو، أستحضر حينها ربما مثل الجميع، التجاذب الجدلي الحاد لحدود الحياة والموت وما يدخل ضمن نطاقهما حسب ثنائيات لحظية : الفرح/الحزن ، السعادة /الوجع، الامتلاء/التلاشي، النسيان/الحنين، التفاؤل/التشاؤم، الارتداد/التطلع ،الانهيار/الانتشاء، القطيعة/الاكتمال تكتنفني على الدوام، حزمة مشاعر مركَّبة ومتداخلة في ذات الوقت. أهم خلاصتها، صعوبة العثور على جواب بخصوص التساؤل التالي : أيهما أولى كذات، الوجود المنقضي أم الوجود الموصول بالممكن؟ بما أن لحظة الوعي المرتبطة بزخم يوم التخليد،تمنحكَ تماما خيال التسامي فوق حيثيات التوثيق المتعارف عليه.

مقالات نقدية شعوب الأرض وقضية استعادة الحياة
2022 - 06 - 09

تشهد المنظومة الحالية للعالم، دون استثناء من خلال وضعيته الجارية؛ وإن اختلفت درجات التحقق نسبيا بين مجموعة إنسانية وأخرى، انحطاطا وانحدارا مفزعين لجل المفاهيم الباعثة للحياة؛ وليس خنقها، المنبثقة من جوف نبل السياسة والسياسة البنَّاءة، مثلما تجلت خلال عقود سالفة فأنتجت أدبيات تنصب على توطيد الأفق الإنساني للدولة، لأن الأخيرة قدرها الوحيد كونها إنسانية؛ وإلا صارت فقط معتقلا كبيرا.   

هكذا، تشكلت أوصاف عدة، تصب في نهاية المطاف عند روافد البعد ذاته:

الدولة الاجتماعية، الدولة الوطنية، الدولة القومية، الدولة المؤسساتية، الدولة المدنية، الدولة المواطِنة، الدولة المتقدمة، الدولة النامية أو السائرة في طريق النمو، الدولة الحاضِنة، إلخ. فلسفة نعوت، تبلورت وتوطدت حِقبة المد الشعبي والثوري، عندما استندت توجهات السياسة حقا على خلفيات معرفية وإيديولوجية واضحة المعالم. حينها بدا العالم بخير، تدبر عجلة تاريخه تناقضات معقولة وصراعات مشروعة كما ترسم أهدافه قوى إنسانية حيَّة؛ وهي تصبو نحو حياة غد أفضل.

إذن، تراجع بكيفية كبيرة ضمن السياق المعاصر، كيان الدولة ارتباطا بمحددات المشروع المجتمعي الخلاَّق، وبناء الإنسان المتوازي حسب تطلعاته الفكرية والحسية.

الوجهة التي سلكها منحى العالم المعاصر، المأزوم بنيويا على جميع المستويات، جَسَّدت قطيعة تكاد تكون آنيا بدون رجعة حيال نبل السياسة والسياسة البناءة، بحيث انقلبت المفاهيم السابقة رأسا على عقب، فقوَّضت جملة وتفصيلا مختلف المكتسبات المبدئية التي راهنت على واقع دولة إيجابية يشكل توفير الأمن لمواطنيها؛ وفق أبعاده الحضارية الشاملة المتكاملة محور برنامجها الوجودي.في ذات الآن، تبث لدى هؤلاء المواطنين دائما وباستمرار روح الأمل الحقيقي طبعا والواقعي صدقا، القائم على مخططات علمية محكمة البيانات، وليس غوغائية الشعارات الفضفاضة الموصولة بالتضليل الديماغوجي.

تتجلى راهنا بكيفية مُؤَكَّدة، ملاحظة أن واقع البشرية توقف على أن يكون موضوع تدبير مُؤَسَّس بخيال العقل وذكاء الخيال، بل فقط أصبحنا نعاين تواترا عبثيا لطلاسم مبهمة ترفع منسوب  العدمية والاضمحلال. شيء ما، غير طبيعي، يتسيد طبيعة المشهد ثم لايتوقف عن التبلور والتوطد، لذلك فالعالم ليس بخير، وبكل اللغات، أضحت معه كيانات الدول كوحدة تنظيمية، وسيادة الشعوب في خضم هذا السياق المفعم بشتى نزعات التدمير، مجرد واجهة شكلية لاغير؛ بدون قوة فعلية وسلطة حقيقية، بينما يعود تدبير الأمور خفية وتوجيها عمدا وفق الوجهة المطلوبة ضدا على الطبيعي، إلى تكتلات ذاتية ومعنوية أخرى مجهولة الهويات عابرة للقارات والمجتمعات،فوق سيادة الدول والمنظومات والشرائع والقوانين والدساتير والأخلاق والضوابط والمعايير والمقومات الذاتية، إلخ.

نعم، تكتلات ظرفية ذات مصالح ضيقة تخدم انتهازية أوليغارشيات بعينها؛ دهست دون رحمة مختلف أوليات خلاصات نبل السياسة والسياسة البناءة، وقد حددت لقصدها فقط هدفا ميكيافيليا وحيدا؛ مطلقا : مصالح فئوية أساسها روابط خاصة مبثوثة هنا وهناك بين طيات دواليب أجهزة الدول الكبرى، ثم امتداداتها المفصلية نحو التابعة والسماسرة المحليين  فأضحت بحكم امتلاكها أسباب القوة دولا هُلامية غير معلومة متوارية خلف دعاوي النظام العالمي، ثم عالما صغيرا افتراضيا يطوي مسار العالم الفعلي ويحدد مصير الشر على جميع الأصعدة .

 منظومة توتاليتارية شاملة، تجثم على أنفاس البشرية، تناشد الموت  ضمن مجرى ذات سياق مختلف تجليات أنظمة القتل الجهنمية والهمجية، التي بلورت بنسب متفاوتة حسب دموية الديكتاتور وسادية فريقه المساعد، نموذجي النازية والفاشية حسب تطبيقاتهما الفورية؛ مثلما أطلعتنا عليها حوليَّات التاريخ، بيد أن الفارق بين اللحظتين حسب اعتقادي، يكمن في المعطيين التاليين :

مقالات نقدية ذكريات الطفولة : مشاهد إيروسية
2022 - 06 - 03

(1)

أذكر على الوجه الأكمل، تلك الواقعة التراجيدية والكوميدية في ذات الآن التي حظرت عليَّ بالمطلق منذ تلك الواقعة، اصطحاب أمي وأختي إلى الحمَّام الشعبي. فقد دأبت الأعراف،على ارتباط حظر ولوج الفضاء النسائي بطابع الخِتان من عدمه، بحيث تستفسر المراقِبة من أول وهلة أمّ الطفل، دون اهتمام مباشر بأرطال حجمه أو مؤشرات عمره ،ولا أيضا قياس مستويات عظمته في عين المكان، بل فقط الجملة/الجواز؛ ثم الترخيص أو الطرد: 

-"هل الصبي مختون؟''، يعني قد استأصل حلاق الحي مضغة لحم رقيقة من مقدمة جهازه. الجواب بنعم أو لا! سيتيح لموضوع السؤال إمكانية الولوج إلى الحمَّام أو صدِّه كي يعود من حيث أتى.  

يماثل هذا السؤال، آخر ملتصقا به تماما كظلِّه، يأخذ مجاله بأريحية  حينما يرافق طفل شخصا راشدا في حافلة عمومية أو سيارة أجرة، ويحاول الأخير التحايل بطريقة ما على أداء التذكرة الخاصة بالطفل ساعيا إلى إبقاء مبلغ ثمنها نائما مطمئنا داخل حلكة جيبه. هكذا، سرعان ما يكون جوابه جاهزا دون تلكؤ، بخصوص إفحام المتسائل وغباوة المرجعية :

-'' هل الطفل تلميذ في المدرسة، أم ليس بعد؟''. إن انطوى جوابه على الإيجاب، تحتم عليه لزوما تأدية التذكرة لامفر.

تساءلت دائما بناء على المتواليتين ، أيّ علاقة جامعة ضمنيا بين الختان ثم انتفاء إمكانية النساء داخل الحمام؟ أيضا، الانتماء إلى أسلاك المدرسة وحتمية أداء ثمن التذكرة؟ ربما، يكمن الرابط المفصلي ضمنيا بين المعيارين، في الخروج من مرحلة قصور الطفل نحو بداية تفطّنه لما يجري حوله، بالتالي أضحى''فاعلا'' وسط هذا العالم. 

عموما، لم أكن إبانها مندرجا ضمن قائمة المختبرين لطقس الختان، من ثمة لازال المجال واسعا  أمامي كي ألج عتبة حمام النساء بكل يسر ودون ارتياب يذكر في أمري.

طبعا، مثلما أشرت بين فقرات سرد سابق(1)، تخللت حصة الاستحمام تلك وقائع متباينة قد تطول أو تقصر تبعا للسياق وحيثياته، قوامها الأساسي اللعب مع زمرة أخرى من الأطفال. نبرمج سلسلة مسابقات للتزلج وفق أوضاع مختلفة ضمن مدار السطح اللزج، جراء تراكم بقايا مواد التنظيف.حقيقة، لم يكن التباري سوى تمويها كي لاتنتبه الأمهات المنشغلات فيما يظهر بحكِّ جلودهن؛ منغمرات في دوامة أحاديث ثنائية وثلاثية ورباعية، ذات موضوعات لاتنتهي، بينما انصب تركيزنا الأولي على وجهة ثقب بحجم رأس دبوس انطوى عليه باب المرحاض، اتفقنا قصدا على تحديده نقطة نهاية بالنسبة للمتسابقين. فجوة صغيرة جدا، فاضحة ميكروسكوبيا؛ وإن بالكاد لتلك الأجساد المكتنزة غالبا من خلال تضاريس حميمتها.

لاأعلم كيف صادفنا مغارة علي بابا تلك؟ فوقع انتباهنا على الفجوة الكرنفالية؛ ذات المناحي الشيطانية اللامتناهية ؟ولماذا ذهب فضولنا نحو اكتشاف مايجري خلف الباب.  

غير مامرة انتهت العملية بنجاح، بحيث ينساب المترشِّح برأسه دون اعتدال مع نهاية كل دحرجة، صوب الثقب السحري ثم يتجمد قليلا، كأنه ميت وباقي رفقاء السوء يحاولون ثنيه عن صنيعه بكيفية تهكمية،لأنهم يستعجلون في الوقت نفسه دورهم، بينما يتمسك بموقعه.هنا تندلع شرارة الضجيج، فيغدو الوضع مضطربا، بل قد يخرج عن السيطرة، مما أدى خلال إحدى المناسبات إلى افتضاح أمرنا، فأثار الموقف موجة سخط عارمة داخل الحمَّام وحالة استنفار غير مسبوقة، أنهت منذ ذلك اليوم مسألة التسامح مع  تواجد أطفال بلغوا سن الختان، داخل حمَّام النساء، وكنتُ بالتأكيد ضمن زمرة المطرودين إلى غير رجعة والانتقال صوب حمَّام الرجال تبعا لقصصه الأخرى.

مقالات نقدية هواجس الحياة الموت
2022 - 05 - 28

(1)

الموت واقعة غير الوقائع المألوفة، بكل المقاييس،غير أن استثنائيتها تلك أو بالأحرى وقعها النوعي ذاك، قد اختلفت مستوياته تبعا لمعطيات بعينها دون غيرها، تجعل الموت فاجعة حقا أو تُختزل دلالتها إلى مجرد حدث عابر، يستغرق لحظات معينة يصحبها فزع يستغرب حقا مما وقع، ثم سرعان ما يُلقى بالارتسام إلى غرفة النسيان؛ القابعة بين طيات ظلمة سكينتها، وكأنَّ النسيان رغم كونه موتا معينا؛ على طريقته الخاصة، يرصد هويته لابتلاع الموت على نحو كبير، فتصير مجرد ذكرى عبر الزمان، سوى في حالة عدم تحقق الموت وفق سمات منها : الميت شخص غريب جدا عنكَ أو يحظى حقا لديكَ بمنزلة خاصة؟ الفترة العمرية للميت؟ حيثيات وتفاصيل الموت؟ مستويات الرتابة أو الفُجائية : هناك من ينتظر الموت ضدا على الحياة ولاتأتي. بينما آخر، تترصده وتتعقبه دون رحمة ضمن أفق اللامتوقع؛هنا تتحقق الموت حسب هويتها الأصيلة .  

                                      (2)    

ما الحد الفاصل بين الحياة والموت؟ أيُّهما كتجربتين وجوديتين متجاذبتي التحقق دون توقف، يعيشها الشخص فعلا؟ ما الذي يمنح حيزا مفهوميا ملموسا  للحياة أو الموت؟ متى تنتهي الحياة كي تبدأ الموت؟ مامعنى أنكَ ميت؟ هل للموت نهاية مثلما يتم مع الحياة؟ هل الموت مجرد تجلٍّ ضمن تجليات أخرى ؟ مامعنى الحياة؟ ما الموت؟ أيهما أجدر بالتحقق : الموت أم الحياة؟ ما هوية تلك اللحظة الانتقالية بين الحياة والموت؟

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار