مقالات نقدية رفقة الموت
2023 - 01 - 27

يسكنني أو تسكنني الموت بكيفية حيَّة تماما؛إنها حالة وجودية ملحة.لايكف مصير هذا السؤال عن خلخلة مجمل كياني. بالتالي، لا أطمئن قط إلى عطاء سكينة أو إرساء معين. يشغلني هاجس الطارئ و اللا متوقع بزخم .تكتنفني مشاعر مضطربة ومتداخلة، أساسها أن أكون ذاتي تبعا لمختلف جغرافياتها، فلا أستبعد أيّ احتمال من احتمالاتها؛ والموت إحداها، إن لم تكن الحصيلة النهائية الجامعة لشتات ما ضاع.

أجلس في محطة رحلة الحياة. أقبع مترقِّبا النَّازلة. أترقب صامتا وأنتظر متأمِّلا.ألتفت يمنة ويسرة، بعد كل شيء سأمتطي القطار وحيدا.أحببت دائما ترديد عبارة قرأتها منذ زمان في مكان ما: نولد، نتقنَّع، نعبث ثم نموت.  أحاول استكشاف القادم البعيد /القريب، القريب/ الأقرب، أقرب مني إليّ، ومن ذاتي حيال خباياها.

لاأعلم عن الموت حقيقة أخرى، سوى أنها أسّ جوهري وقوام كياني، أوجد من أجل الموت، والأخير غاية حياتي، يظل فقط السؤال عالقا بخصوص كيف؟ متى؟ أين؟ بمعنى سؤالي الزمان والمكان. إذا تخلينا في هذا الإطار عن مرجعيات ميتافيزيقا الوحدة، سيظهر بكيفية ما، أن مصير الموت كالحياة، بل هما مساران للسياق نفسه، يتوقف معناه وزمانه ومكانه على مستوى حضور الذات واشتغالها العميق على ممكنات المابعدي.

شغلني دائما سؤال الرحيل، وعبثية الوجود، منذ أولى سنوات مجيئي إلى هذا العالم، نتيجة ربما  اختباري ثلاثة مشاهد، توطدت تفاصيلها داخلي وأستعيد دقائق تفاصيلها بكل وعي، بل عن ظهر قلب؛ مثلما يقول الرواة 

مقالات نقدية غاستون باشلار : النَّفس الشعري، الصمت، الصورة الأدبية.
2023 - 01 - 19

استند التأويل الشعري عند غاستون باشلار بخصوص مقاربته للقصيدة، وفق تصور أولاني وأصيل أراده بهذا الخصوص، على استشراف معادلات من صنف الارتجاجات اللغوية التالية؛حتى لاأقول البيانات، لأنَّ باشلار رفض دائما استدعاء الإحالات البيروقراطية لهذه الكلمة:

                                        (1)

لاتوجد قصيدة سابقة عن المفعول الخلاَّق للفعل الشعري، مثلما لا تكمن حقيقة قبلية عن الصورة الأدبية.  يتكلم الخيال داخلنا، تتكلم أحلامنا وأفكارنا .يرغب كل نشاط إنساني، في التكلم. حينما يعي الكلام بذاته، يسعى النشاط الإنساني حينئذ إلى الكتابة، بمعنى تنظيم الأحلام والأفكار.

(2)                                    

تمثِّل القصيدة ظاهرة أولى للصمت.تبقي الصمت المنتبِه، حيَّا، بين طيات الصور. تتأسس القصيدة ضمن سياق زمن صامت، لاشيء يثقل عليه، يخضعه أو يأمره؛ لأنه زمن حريتنا. تنمو جيولوجية الصمت، حين البحث عن فكر مختبئ تحت الترسبات التعبيرية.يجدر حين توخي دراسة اندماج الصمت في القصيدة، ضرورة استيعاب أن مبدأ الصمت في القصيدة، يجسِّد فكرا مضمرا ومتواريا.

(3)                               

يمثِّل النَّفَس الشعري قبل كونه مجازا،حقيقة بوسعنا العثور عليها في حياة القصيدة هكذا على الأقل، حال القصائد التي تتنفُّس جيدا، وتعكس خطاطات ديناميكية جميلة عن التنفُّسِ. 

(4)                         

توقظ القصيدة الحقيقية رغبة غير قابلة للكبح، كي تُقرأ ثانية، تبث لدينا انطباعا مفاده أن القراءة الثانية، ستقول بصددها أكثر من نظيرتها الأولى، وبأنها أيضامع اختلاف كبير عن قراءة عقلانيةتعتبر أكثر تؤَدَة من الأولى، لأنها متأمِلة.لن نتوقف أبدا في إطارها عن الحلم بالقصيدة، ولاقطعا التوقف عن التفكير فيها. أحيانا يأتي مقطع شعري كبير، يغمره حزن أو فكر ما، يهمسه القارئ  القارئ المنعزل- : لن يكون هذا اليوم كما البارحة.

(5)                         

حينما نكتب، نتأمل، يبرز إلى السطح تعدد أصوات، باعتباره صدى خلاصة .امتلكت باستمرار،القصيدة الحقيقية، طبقات متعددة.  

 لايمكِّن الإصغاء أبدا من الحلم بالصور في العمق.هكذا،اعتقد باشلار دائما بأنَّ قارئا متواضعا يتذوق على نحو أفضل القصائد بإعادة كتابتها بدل إنشادها.تتجاوز القصيدة المكتوبة كل إنشاد.

                         (6)

القصيدة موضوع زماني جميل يخلق مقياسه الخاص.كمْ يتجلى بؤس الوقت الجاري، لقاء الأزمنة التي تبدعها القصائد!

(7)                        

لاتعبِّر القصيدة،عن شيء يظل بالنسبة إليها غريبا، حتى الجانب التعليمي الشعري الخالص، الذي يوضح القصيدة، يعجز عن تقديم وظيفة الشعر الحقيقية.

مقالات نقدية غاستون باشلار : بعض دروس الشجرة
2023 - 01 - 02

درس غاستون باشلار ضمن شعريته المنصبَّة على صور الكون، في بعدها الجواني؛ غير المادي، كينونة الشجرة إلى جانب موضوعات أخرى تنتمي للمجال نفسه. يتعلق الأمر بجوهر عنصر نباتي، احتشدت حول ألغازه وأسراره جملة أساطير ومجازات ونصوص تجاوزت كثيرا حدود معطيات النباتية والأداتية والخشبية، إلخ، كي تلامس أبعادا لانهائية للشجرة أكثر عمقا وإيحاء، توفر ثراء بلاغيا وفق منظور تحليل نفسي للحياة العمودية،لأنّ الشجرة بمثابة خطِّ تذكير يرشد ويوجِّه الحالم الهوائي.

يتأتى أفق من هذا القبيل، لحظة السعي إلى دراسة منهجية لتلك الصور الجوهرية، والقطع مع سيادة خيال الصور المرئية. بالتالي، تحقُّق استيعاب ارتباط عالم النبات بعالم تأملات شاردة مميَّزة تشكل محفزات صوب تأمل شارد خاص، يعتبر نوعها النباتي الأكثر بطئا وهدوءا وباعثا على الاسترخاء.

نعيش صدقا، أفراحنا الأولى، حين استعادة صور الحديقة، والمرعى والغابة وضفاف الأنهار.     

ترسم الشجرة، منظرا طبيعيا محوريا يمضي من خلاله الحالم وجهة الهوائي، وقد انتشل ذاته من ثِقل الأرضي.توقفت عن الاستسلام إلى سطوة النظرة الملوَّنة، كي تأخذ لدى شاعر كبير صورة مصير وجودي توحي بإغواءات متعدِّدة لتماثل هوائي. 

تلهمنا الشجرة، الكائن الأكثر انعزالا، بمختلف دلالات وإيحاءات معاني الفعل العمودي.أنْ تعيش حميما اندفاعها النباتي، يعني إحساسكَ على امتداد العالم بنفس القوة الشعرية.

تأمَّل باشلار الشجرة، ضمن سياق حُلُمية هادئة، متجرِّدة عن كل سيادة للأشكال أو محدِّدات الخيال المادي، بل تستدعي فقط أبعاد خيال ديناميكي، ينتقل من الواقعي إلى المتخيَّل، يمكنه التحليق بالشجرة كموضوعة لبلاغة المبالغة،حينها تبعثنا الشجرة نحو جهة أخرى من العالم.تساعد الإنسان العمودي عامة والشاعر النوعي أساسا،الخلاّق غير النمطي، كي ينتقل صوب ذاك الأعلى، يتجاوز القمم، يحيا حياة منعشة مفعمة بحيوية وترياق الهواء النقي.

مقالات نقدية محمد باهي : مثقف استثنائي من زمن الكبار
2022 - 12 - 16

ارتبطتُ وجدانيا بشغف لايوصف، منذ فترة مبكرة من حياتي، بالجريدة الورقية والصحافة المكتوبة عموما، بحيث شكلت لديّ إلى جانب مذياع صغير، نافذتين مشرَّعتين تماما وجهة حلم لامتناهي بجدلتي الهنا والهناك، فأكتشف العالم رغم كل شيء، بصدر رحب. 

وقد سَكَن الليل، تلتصق أذناي ليلا براديو ترانزستور صغير، لم يكن بوسع أنفاسه غير الاكتفاء بأثير جغرافية محلية،غير أنَّ تركيز وثراء ماكان يقدَّم آنذاك ثم عمقه بقدر نواياه الصادقة، بلور حمولة كافية حتى يغمر حواسي ترياق يانع؛ لاينضب، يحاور بين السياسي والفني والثقافي.

مع حلول الصباح، فأول ما أسرع إليه، بمجرد إبداء الشمس لأول خيوطها، يتمثل في الهرولة نحو كشك الجرائد، كي أنتزع حقي من هذه المتعة اليومية.

صلاة صباحية لاشيء يفسرها، وطقس فكري لاغنى عنه بتاتا. تتحدد نوعية حيثياته، حسب امتلاك الجيب لثمن الجريدة المتوخاة، أو انعدام ذلك.

حينها، أستعمل استراتجيه أولى قبل التفكير في اقتنائها.أرمي نظرة خاطفة صوب ملامح صاحب المحل كي أتبيَّن وأقيس درجات ظرفه من شره، فإذا حدسته شخصا أقرب إلى المنحى الأول، بالتالي لامجال لحدوث مشاكل، أبادر إلى تناول الجريدة بسرعة البرق وتصفحها لأكتشف بجرة نظرات خاطفة مضمونها، إن صادفته ثريا اقتنيتها دون تردد وإلا فلا داعي، مما يمنحني راحة ضمير داخلية مادمت حافظت بأمانة على عهدة مصروف المنزل.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار