مقالات نقدية من الصّحافة الورقية إلى النِّت :حكاية سريعة
2026 - 08 - 27

حينما كنّا صغارا، وعند طرح سؤال المهنة التي نحلم بها مستقبلا، انطوت غالبا أجوبة أفراد جيلي أساسا على تطلّعات أربع: طبيب، طيّار، مهندس، صحفيّ. كان دائما وازع الصّحافة ينافس ويجاري بقوّة الحضور الرّمزي الكبير للمهن الثّلاثة الأخرى وإمساكها بمخيال أبناء الطّبقات المتوسّطة والبورجوازية الصّغرى. غير، أنّه جرّاء التطوّرات النّاجمة عن تغوّل الرّقمي وكذا تبدّل أحوال العالم فكريا وإيديولوجيا بانتقاله من سياق صراع الأفكار والمنظومات إلى مرتع استهلاكي مجنون لأوليغارشيات مستذئبة، فقد تنازلت الصّحافة منذ فترة بعيدة عن بوديوم المنافسة وأضاعت بلا شكّ زخمها وبريقها وإشعاعها.

أيضا، يحيل العدد أربعة على تصنيفها التّاريخي المعهود منذ تبلور الدّولة الوطنية حسب مقوّماتها المؤسّساتية والدّستورية، باعتبارها سلطة رابعة إلى جانب التّشريعية والتّنفيذية والقضائية. هكذا، ظلّت الصّحافة أو ''صاحبة الجلالة'' مثلما جرى لقبها المجازي، تجسّد بوصلة ومنارة استمرار القيم الإنسانية الجوهرية راسخة داخل المجتمع، عقبة كأداء وسلطة مضادّة تقاوم مختلف نوازع الانزياح نحو الملاذات الجهنّمية الغريزية والبهيمية كما الوضع البشري راهنا على جميع المستويات.

في سياق هذا المنظور، وارتباطا بأجواء القمع السّياسي السّائد حينها في المغرب ضمن أجواء حرب ضروس من طرف النّظام على النّخبة اليسارية التقدّمية، اختبرتُ أولى بواكير الوعي الصحفيّ من خلال الجريدة المكتوبة، لأنّ المرئيّ والمسموع كانا محتكرين بالمطلق من طرف أجهزة الدولة. يكفي التّذكير بمناسبة سياق هذا الحديث، أنّ وزير الدّاخلية ادريس البصري احتكر أيضا احتكارا وزارة الاعلام، بالتّالي لاحركة ولاسكينة سوى بإشراف أجهزة وزارته.

لم يكن من ملجأ للظّفر بغنيمة المعلومة البديلة، وتمثّل طبيعة الحسّ الإنسانيّ السّليم الذي يحترم الذّكاء، سوى مع جرائد الأحزاب التقدّمية خلال تلك الحقبة : الاتحاد الاشتراكي، العلم، بيان اليوم ، أنوال، إضافة حقيقة إلى الغنى المضموني والثّراء المعلوماتي لجرائد عربية خلال الفترة ذاتها : الشّرق الأوسط(أذكر جيّدا حقبة إشراف عثمان العمير)، القبس، الحياة، الزّمان، القدس العربي (فترة عبد الباري عطوان).

مقالات نقدية الفيدور المتسامِح
2026 - 08 - 20

قبل بداية ظهور مفهوم ونموذج وهيئة ''الفيدور'' أو الحارس الشّخصي، عاش أفراد جيلي حقبة استئناس طويلة مع حيثيات ثقافة الحارس بمفهومه التّقليدي أو ''العسّاس'' حسب المصطلح العامّي المتداول :حارس ضيعة فلاحية (الحرّاز)،حارس ورشة بناء، أو دكاكين  تجارية داخل ''الحومة'' بواسطة نعت اشتُهر ضمن الأدبيات التّراثية بتسمية ''البيّات'' ولازالت صورته تلك حاضرة أمام خيالي، رجل يرتدي جلبابا شتويا قصيرا في حدود الرّكبتين على طريقة بورتريهات الجنود المغاربة خلال الحرب العالمية الثانية، يحمل عصا غليظة في يده اليمنى وقنديلا أو مصباحا في يده اليسرى، يجهّز له أهل الحيّ مبدئيا ركنا عند مدخل الدّرب كي يضع فيها بعض حوائجه التي تعينه على أداء مهمّته. 

لكن يظلّ حرّاس فضاءات المدرسة أكثر رسوخا ضمن رمزية هذه الذّاكرة،بل هناك من ارتبط تاريخه بتاريخ مدرسة معيّنة وأجيال تعاقبت على فصولها، لذلك وبمجرّد النّبش خلال جلسة نوستالجية حين التقاء هؤلاء الأصدقاء القدامى حتّى تتّجه بوصلة الحديث مباشرة وقبل كلّ شيء صوب استعادة أسماء هؤلاء الحرّاس عبر مضامين قصص إنسانية عالقة تفاصيلها في الأذهان بكيفية دائمة : السّي لحسن، السّي إبراهيم،السّي المحجوب،مولاي العربي،ابّا التهامي،عمّي الجلالي، إلخ، بل نساء اشتغلن أساسا داخل المطعم المدرسيّ لكنّهنّ تكلّفن بين الفينة والأخرى بتحريك الجرس الحديديّ إيذانا بحلول مواعد الدّخول أو الخروج، ثمّ فتح أبواب المدرسة وإغلاقها وكذا تنظيم شغب التّلاميذ بطريقة أموميّة أكثر تهيّئ من غلواء اندفاعهم.

تطوّر اللّقب والصّورة والوضع، جرّاء تحوّلات ثقافة المجتمع. اختفت نسبيا سلطة الحارس مثلما توارثها الخيال الشّعبي حيث معاني الحنوّ والسّكينة والطّمأنينة، كي يحلّ محلّه مفهوم الفيدور وفق نموذج يجسّد معالم شخصية تتعارض تماما مع السّابقة: العنف، القوّة، البنية الفيزيائية الضّخمة، الدّخل المادّي، الدّونجوانية بحكم حراسته ومصاحبته بنات اللّيل. جملة مواصفات تتباين جذريا مع سمات الحارس الكلاسيكيّ.

مقالات نقدية أحمد الغول
2026 - 08 - 07

أحمد الغول أو بوخبزة الحمامصي، أشهر طفيليّ عرفته في حياتي وأمضيت معيّة حضور قصصه اليومية ردحا لا بأس به من وقائع طفولتي الأولى، داخل الحيّ المرتبط اسمه بضريح أبي العبّاس السّبتي.

كنت أراقب بدهشة وأنا صغير في حدود سنّ السّابعة، أشكال تناوله الطّعام بنهَمٍ شديد فيقلب اللّقمة تقليبا بيسر آلي مثير للضّحك؛ كيفما جاء جنسها أو صيغة تشكّلها: خبز، حساء، لحم، فاكهة …بوتيرة تُجَاري سرعة غمزات العين قدر تواصلها وفق إيقاع موزون، لايختلّ نظامها الموسيقي دون تلكّؤ أو تباطؤ أو تعثّر ولامجرّد اكتراث يذكر بمستويات الحرارة و البرودة، بل ولايهتم قط بالشّوائب العالقة بها من عظم وشحم.

عاش أحمد الغول تحت أسقف الغرف الصغيرة و مآوي المكفوفين المترادفة عند مدخل الضّريح.تقول الرّواية المتوارثة داخل الحيّ بأنّ زوجته وابنتيه تخلّين عنه منذ زمان، ممّا أفقده جانبا من صوابه، والتجأ إلى فضاء أبي العبّاس السّبتي كي يعيش بوهيميا على التسوّل وعطاءات المحسنين، مقابل بعض خدماته التي يسديها أساسا يوم الأربعاء إذا أسعفتني الذّاكرة،مادام سياق هذا الحكي يعود إلى منتصف السّبعينيات حينما كانت السّلطة العمومية أو تحديدا دار المخزن مثلما تداول أهل الحيّ الوصف،ترسل سيّارة كبيرة من الخبز ثم بقرة سمينة أو عجلا بدينا ثمّ ناقة خلال احتفالات عيد المولد النّبوي التي تستمرّ أجواؤها سبعة أيّام.يلعب الغول دورا محوريا طيلة ساعات كرنفال يوم الأربعاء على مستوى ذبح البهيمة وسلخها وتقطيعها إلى أجزاء كثيرة وتوزيعها على المكفوفين،طبعا يستفيد من حصّة زائدة بحكم خدماته .

مقالات نقدية بدايات محلاّت الأنترنيت
2026 - 07 - 30

لازالت ذاكرتي تردّد نفس الرّنين الذي أثارته منذ شتاء 1984 وأنا صغير داخل حجرات المدرسة الاعدادية، عبارتان سمعتهما صحبة زملائي التّلاميذ ظهيرة ذلك الزّمان البعيد. أخبرتنا أستاذة اللّغة العربية السيّدة زهرة؛أو اللاّزهرة مثلما كنّا ندعوها، بما يلي:

-إسرائيل مجرّد كلب حراسة منطقة الشّرق الأوسط الاستراتيجية والغنيّة بالنّفط.

- يقال بأنّ اليابانيين بدأوا في تطوير جهاز لاسلكي يمكّن من التّواصل مع شخص ثان في مكان بعيد، وأنت تراه ويراك عبر شاشة مثل شاشة التّليفزيون. 

الإقرار الأوّل، لم يكن جليّا كفاية آنذاك كما اتّضح بعد سنوات، بحكم شحّ المعلومة بل ندرتها، ثمّ الفكرة الأيديولوجية السّائدة آنذاك في عزّ الحرب الباردة حيث صورت أمريكا باعتبارها قوّة عظمى محايدة تماما لاعلاقة لها بصراع المنطقة، بل تلعب دور الوساطة من أجل التّقريب بين وجهات نظر الفلسطينيين والإسرائيليين.

بينما الإشارة الثّانية المتعلّقة بالذّكاء الياباني، فقد كان وقعها على انتباه تلاميذ الفصل أكثر حدّة بل شرع بعضهم من هول غرابتها يبدي إيماءات السّخرية غمزا ولمزا من معلومة اللاّزهرة التي أحببناه واحترمناها لقدراتها المعرفية والتّربوية، فلم تستسغ إمكانيات خيالهم ربما حدوث شيء من هذا القبيل.

مضت تقريبا خمسة عشر سنة. أواسط التّسعينيات، أعاين دون سابق إنذار أمام عينيّ شخصا يتواصل عبر هاتف محمول، في شكل وحجم قارورة صغيرة.

مع بداية الألفية الثّالثة، اتّخذت التّطوّرات وتيرة انقلابية نتيجة طفرة السّيبرانية والإيميلات، وبدأ مفهوم الهاتف المحمول يشقّ طريقه ثم انتشرت موضة محلاّت الأنترنيت.

أخيرا، بدت ملموسة حقيقة الحكاية التي روتها الأستاذة قبل أكثر من عقد صحيحة وملموسة وعاينتُ نبوءتها فعلا على أرض الواقع، لكن بدل وجهة روح ما بعد حداثة اليابان، أخذت عندنا الرّقمنة سبيل أفق مختلٍّ، عكس روحها الأصلية، كي ننتهي إلى مجتمع الفرجة الشّمولي بلا خصوصيات ولاحرّيات ولاجوهر إنساني، حيث يوميات تلصّص الجميع عبثا على الجميع.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار