مقالات نقدية أدونيادة : سيرة ذاتية،أم إيحاءات وصية شعرية؟
2021 - 08 - 02

حقيقة،مثلما أشارت هالة قضماني الصحفية الفرنسية السورية،في تقديمها لحوارها الذي أجرته مؤخرا مع أدونيس(1)،لازال صاحب أغاني مهيار الدمشقي(سنة1961 )،وقد بلغ آنيا سن الواحد والتسعين،يتمتع بحضور فيزيائي وعقلي مذهلين.الدليل على ذلك،اجتهاده بلا توقف بخصوص تأمل مجريات الوقائع، الكتابة، إبداء مواقف موضوعية في غاية الشجاعة،ثم انخراطه في حوارات وسجالات عمومية،تقتضي توقدا كبيرا لحواس الشخص؛ونَفَسا قويا على التفاعل والتحمل.

يذكرني، أدونيس في هذا السياق بأحد شيوخ القرن الكبار،المفكر الفرنسي إدغار موران، الذي بلغ سن المائة،غير أن قدراته الذهنية حيوية دائما،مستمرة بكل صدق وعمق في خوض مغامرات التأويل والكتابة والإبلاغ،بمرجعيات نقدية فذة تنهل بموسوعية من علوم عدة،قصد تشريح بنيات الخلل التي تكابدها البشرية وستكابدها أكثر فأكثر،مع تكرس وتوطد مآلات الليبرالية الهمجية؛ولايتردد غاية الآن بخصوص دق ناقوس الخطر.

أيضا،رغم إدراك أدونيس عمرا متقدما،يهتدي في المعتاد بصاحبه نحو كسل دوغماطيقية النمطية،وكذا طمأنينة يقينيات منقادة بلا روية، بل مستكينة فقط إلى منطق الاستسلام، وأحيانا تبني شعار مابات يعرف بالمراجعات الفكرية،وفي أسوأ الحالات التواري والانسحاب إلى الهامش؛والتخلي عن الجَمَل بما حمل،ثم الاستقالة وربما النكوص.فإن شاعرنا الكوني المعاصر،أحد أبرز مؤسسي القصيدة العربية الحديثة ،المفكر، المترجم، مؤسس مجلات أدبية أشهرها ''شعر'' بجانب يوسف الخال،المرشح الحاضر سنويا للفوز بنوبل في الآداب،المترجمة دواوينه ودراساته إلى مايزيد عن عشرين لغة أجنبية،المتداولة نصوصه قراءة وتمحيصا لدى شباب بلد ناء جدا مثل الصين،قياسا إلى مستوى ذلك داخل محيطه المحلي والإقليمي :''بالنسبة لبلد كالصين حيث صدرت عشرات عناوين مؤلفاتي،بعضها تجاوزت مبيعاتها ثلاثين مليون نسخة.بهذا الصدد،أخبروني بأنه لم يتداول قط عندهم سابقا اسم شاعر لازال على قيد الحياة بهذه الوتيرة"(2).

مقالات نقدية سيمون دو بوفوار : امرأة أيضا
2021 - 07 - 13

من كان بوسعه الاعتقاد،بأن سيمون دو بوفوار،امرأة كباقي النساء؛تحب، تعشق، تنتشي، تتغنج، تتحسس جسدها باشتهاء،تتأوه من اللذة،وتغري رجالا يثيرون مشاعرها ورغباتها الحميمة؟.

من كان يظن أن بوفوار،امرأة غير عادية بكل المقاييس،مثلما ترسخت وفق نمذجة تمثلات ذهنية نمطية، في حين تجسد داخل الغرف المضاءة ضوءا خافتا وفوق الأسِرَّة؛ بغض النظر عن هالة حضورها الفكري،امرأة شبقة متصالحة مع جسدها،تبحث عن لحظات استراحة طويلة بين أحضان رجل  تعشقه؟.

بوفوار،ذات الكاريزما المهيبة على المستوى القيادي،صاحبة ذهن جبار،واحدة من أهم رموز الفكر الإنساني على امتداد تاريخه،رائدة وملهمة الحركة النسوية خلال القرن العشرين،صاحبة مقولة :''لاتولد المرأة امرأة،بل تصير كذلك''،النواة المفصلية لكتابها الشهير''الجنس الثاني"،الصادر سنوات الخمسينات،بحيث بلغت نسخ طبعته الفرنسية مليونا ومائتي ألف نسخة كما ترجم إلى سبعة وعشرين لغة.

من بوسعه الاعتقاد؟أن رفيقة درب سارتر والثنائي النوعي والخالد،الذي أرست معالمه رفقته منذ لقائهما الأول سنة 1929 غاية رحيل عقل فرنسا(توصيف الجنرال ديغول) سنة :1980''في حدود واحد وعشرين عاما، أدركت بوفوار، بأن سارتر سيشكل القضية الكبيرة في حياتها.هكذا،كتبت في الجزء الأول من مذكراتها مايلي، ويشير السياق التاريخي إلى سنة1929  :"بوسعي دائما صحبة سارتر، تقاسم كل شيء.حينما افترقنا بداية شهر غشت،أدركتُ منذ تلك اللحظة بأنه لن يغادر مسرح حياتي قط''.نعلم أشياء كثيرة عن حياتهما المشتركة،والثنائي الأسطوري لمثقفيْن مثلما شكَّلاه"(1)،قد أحبت حبا هائما رجالا آخرين،منساقة كلِّية بمجمل كيانها  وأحاسيسها خلف علاقات غرامية سواء داخل فرنسا، كشفت عنها رسائل عديدة صدرت بعد وفاتها ؛تقاسمتها صحبة إليزابيث لاكوان، كلود لانزمان، جاك لوران بوست،ثم جان بول سارتر مع بعض التحفظ،نظرا لخصوصية علاقتها بالأخير،أو خارج بلدها كما الشأن بالنسبة لأشهر غرامياتها على الإطلاق،المتمثلة في حبها الجامح للروائي الأمريكي نيلسون الغرين.

مقالات نقدية لوحات عن شاعرية وشعرية الترجمة
2021 - 07 - 03

(1)

الترجمة شغف وعشق ودَأَب ثم تمرس وصناعة في نهاية المطاف. غير،أن مفهوم الصناعة يبتعد بالمعنى المتوخى عن المفاهيم التقليدية ذات النزوع العلمي الساذج،بل القصد تظل الترجمة رحلة معرفية طويلة،لايتوقف ذهابها وإيابها المستمرين خلال الفصول وعلى امتداد اليوم،من خلال آفاق عدة ومتعددة يفتحها النص الواحد –لاسيما النصوص العتيدة والعنيدة- عبر الإحالات والهوامش والسياقات والأطروحات والمعاني والأعلام والمعجم، إلخ.تصور من هذا القبيل،لعملية الترجمة،والأخيرة بالمناسبة ليست بالعملية القيصرية؛ مثلما يعتقد غالبا،لكنها تعكس أساسا ولادة طبيعية منسابة أو بالأحرى فالترجمة جامعة حينها بين المتعة والمكابدة والخلاص،وفق تآلف سيمفوني خلاق،بحيث يعيش المترجم مختلف الحالات العقلية والوجدانية مع النص الواحد.أريد القول،أن أساس التفاضل النوعي بين مترجم وآخر،يكمن في مستويات معايشة النص المتوخى ترجمته ضمن ممكنات حياته. من هنا،ألح دائما على ضرورة تشكل شاعرية الشغف وشعرية الاستئناس قصد الانتهاء إلى نتائج موحية. أما وضع الترجمة تحت الاكراه،لأي سبب من الأسباب،فلايؤدي غالبا سوى لنتائج عكسية،حتى مع توفر عامل التمرس.العامل النفسي الحاسم في هذا الإطار،حسب اعتقادي،يعود مقياسه إلى عدم إحساس القارئ بتباين للهوية واتساع للهوة بين الأصلي والنسخة.يفرض عليك النص الجديد/المترجَمِ هوية واحدة،رغم السفر والانتقال من ضفة لأخرى، ثم أحيانا، وياللمفارقة العجيبة !قد يكون نص الترجمة أفضل كتابة وتنضيدا للبنيات التركيبية والدلالية من النص الأصلي،مثلما يحدث العكس، بحيث تسيء الترجمة كثيرا للنص الأم فيغدو الفعل جريمة متكاملة الأركان.لذلك،يفضل بعض الكتَّاب ترجمة نصوصهم بأنفسهم تجنبا لأيِّ متاهة،أو ترشيحهم مترجما يثقون في عمله،أو يرفضون رفضا باتا إخراجها إلى الجمهور،قبل اطلاعهم عليها وإعادة صياغة مايلزم صياغته.

(2)                                      

الاختلاف قائم بالمطلق على مستوى تصور الترجمة بمختلف مقومات عدَّتها المعرفية والمنهجية،حينما تجد نفسك أمام نص سردي أو شعري وكذا انتمائه لهذا الحقل أو ذاك.للخروج من هذا المأزق،وجب التأكيد على وجود ثوابت ومتغيرات تصاحب الترجمة باعتبارها قراءة، تأويلا، كتابة ثانية.تتمثل الأولى،في ضرورة حضور الشغف،مثلما قلت سابقا،لأنه السند الوحيد قبل وبعد كل شيء،ثم الاستئناس لفترة طويلة بطبيعة المجال المتوخى ولوجه قصد تمثل وفهم مايجري.

يبدو المترجم ككاتب مستقبلي يعيش تحت الوصاية،أو مشروع مؤلف بصدد امتثاله لفترة تمرين غير محدد زمنها،قد تطول أو تقصر،وربما توقف سعيه  منذ البداية،تبعا لأهداف قصده من العملية برمتها.كيف ذلك؟حينما تختبر الترجمة لفترة طويلة، تشرع ضمنيا في البحث من جديد عن القدرات الذاتية لكتابة شخصية،وليست ''استنساخا"لخطاب كاتب ثان. مادام ورش الترجمة،على الأقل حسب التصور القائم من الوهلة الأولى،يستدعي فقط توفر نص مكتمل،جاهز من ألفه إلى يائه،فوق الطاولة تلزمه مجرد إعادة نقل وتحول هوياتي وجهة اللغة التي تريد.إذن،المطلوب فقط،امتلاك معجمين لغويين وورقة وقلم،ثم انطلاق القراءة وتدبيج الصياغات الجديدة،دون الخوض هنا في مسألة المعنى،التي تتقاطع كما نعلم عند تصورين،هناك فريق من المترجمين يتمسك برؤية أصولية محضة إن صح التعبير،بحيث يشتغل على معجم الكلمات حرفيا مؤولا المعنى حسب متوالية خطية،تبعا لحصيلة تلك الكلمات.بينما،يراهن فريق ثان،على مجرد استيعاب للمضمون ثم كتابته بحرية تركيبية.عموما،الفكرة التي أرغب في طرحها،تلك المتصلة بمستويات الإبداع الحقيقية،انطلاقا من الرهان على التأليف أو الترجمة؟ لاسيما،بالنسبة لمن قطعوا مع التأليف وتفرغوا تماما لمهام الترجمة.هل المترجم مجرد كاتب فاشل؟قياسا على تداعيات تلك المقولة التعليمية الشهيرة الناقد كاتب فاشل؟طبعا لاأتفق تماما مع الوصفات الميكانيكية الجاهزة،لأن المسألة أعقد بكثير ومتداخلة جدا،مع ذلك،يشغلني هذا الهاجس : لماذا ألجأ إلى ترجمة نص معين، ولم أكتف فقط بقراءته،بحيث أضع اسمي تعسفا بجانب صاحبه الأصلي.هل أردت ضمنيا أن يكون لي قبل غيري؟

مقالات نقدية مابعد الموت
2021 - 05 - 12

أتأمل مصير الراحلين، الذين عبَرُوا سلفا نحو ضفة أخرى من هذا الوجود غير معلومة قط.حقا، لاأعرف، تحديدا ويقينا،هم ضحايا الموت أو الحياة؟ بما أن الأخيرة قبل كل شيء ورطة؛ومجرد سعي عبثي للحيلولة دون تدحرج صخرة سيزيف من أعلى قمة الجبل، مع أنها متدحرجة لامحالة؟

هناك، من تستمر ذكرى رحيله؛ على الأقل لغويا، لفترة ليست بالقصيرة.آخرون،يتم تأبينهم خلال اللحظة نفسها،بين طيات الإعلان،ثم في اليوم التالي،لاذاكرة لمن أراد مجرد التذكر.وفئات ثالثة، ترحل في صمت مطبق،كأنها لم تولد أصلا؛بحيث تقتل الموت نفسها تماما.

رغم أنه لاشيء لدي كي أخسره جراء الموت من عدمه،فالأمر سيان بالنسبة إلي،ولامقياس لتفاضل قيمي بهذا الخصوص،مادمتُ لست كائنا مشبعا بسذاجة الحياة أو مدمنا لرهاناتها أو حتى محترما لها.مع ذلك، أقف دائما صامتا خلال لحظات طويلة متجمدا في مكاني،متسمرا عند موضعي حينما أقرأ خبرا يعلن رحيل طيف عن مشهد الوجود، ويزداد الوقع استفحالا إذا كان ضحية الموت هذا أو تلك،موصولا بحواس ذاكرتي على نحو ما .            

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار