حوارات الروائي التركي أورهان باموق : لامستقبل دون حرية التعبير
2018 - 05 - 04

تقديم : حاصل على جائزة نوبل للأدب سنة2006 وأحد الكُتّاب الذين توفقوا استثنائيا في تحقيق نجاح نقدي ثم جماهيري.استغلت المجلة الفلسفية،فرصة حلوله بمدينة باريس،كي تلتقيه ليتحدث عن مساره الروائي والمفكرين الذين أثروا فيه :من سارتر إلى جورج لوكاتش.لكن هذا الديمقراطي الملتزم بدا خاصة مهتما جدا بانقلاب بلده تركيا،نحو نظام أوتوقراطي.

يظهر أن الشخص الذي يستقبلنا وسط إحدى قاعات منشورات غاليمار أكبر بكثير قياسا للأرائك الصغيرة الزرقاء المخملية. ليس ساقاه أو ذراعاه، بل عينيه الساحرتين.تضيئان بنور مختلف حجرة لا يعرف قط إن كانت لوحة تسعى إلى تجميد ماض اختفى أو مكان عبور،ثم نسخة أنيقة وباريسية لقاعة الاستقبال في المطار.لكنه مكان يناسب جيدا أورهان باموق، الكاتب الذي ينحاز نحو الوقوف في الوسط،وأول روائي باللغة التركية حصل على جائزة نوبل للأدب سنة 2006 .لفت إليه الأنظار في تركيا منذ روايته الأولى،وجعل من إسطنبول مدينة عالمية وتركيا المعاصرة كوكبا أدبيا. حكى عن التقاليد العثمانية ثم الطموحات الغربية لبورجوازية مغرمة بمشروب الراكيا وكذا الحرية.قاده انتماؤه المزدوج هذا،وكذا ثقافته الأدبية الكبيرة جدا والفلسفية الغربية كي يستلهم ثانية على إيقاع الموسيقى التركية الشرقية الرموز الكبيرة للرواية المعاصرة.فيتشكل مع هذا المضيء-المعتم أفق مختلف عن الحياة، حيواتنا، مرآة تغير صورة قيمنا الأوروبية.حلم أورهان باموق،الطفل أن يصبح رساما.اليوم، يَطرح علينا السؤال التالي:كيف ستكون رؤيتنا للعالم إذا لم يؤسسها منظور؟.

فقد ذهب باموق الموسوعي حد تأسيس متحف واقعي انطلاقا من إحدى نصوصه رواياته : متحف البراءة.رحلة من خلال أشياء حب خفي.دشن سنة2012 وسط حي عتيق متواجد في إسطنبول،لا يفرغ أبدا. فقد،عرفت تلك الأعمال الثاقبة نجاحا كبيرا في تركيا،وهي حقيقة استثنائية،هكذا قاربت مبيعات عمله الصادر مؤخرا، المعنون ب : "cette chose étrange en moi" ، 250 ألف نسخة.يروي باموق وفق استلهام فني قريب من صنف رواية المغامرة والتشرد،حكاية بائع متجول قدِم حديثا من مسقط رأسه بالأناضول .سنعبر معه خمسين سنة تحيل على تاريخ سياسي متقلب.لذلك،لم يختف الكاتب قط خلف رواياته.

باموق ديمقراطي شجاع،دافع دائما عن حرية التعبير غير متردد على الدوام بهذا الخصوص،كي يتناول قلمه وإبداء رأيه.سنة 2005 ،كسر الطابو حينما أقر بمسؤولية بلده في تصفية الأرمينيين عام 1915 .توبع قضائيا،وتعرض لتهديدات بالقتل،فكان ضروريا أن يغادر.كي يعود الكرة بشكل أفضل.هكذا يكرر اليوم أيضا، بصوت متزن لكن بلهجة حازمة : ((لا مستقبل لبلد دون حرية التعبير ! )).وعينيه دائمتي المرح.

حوارات البروفيسورمحمد يونس :رائد الاقتصاد التضامني
2018 - 05 - 04

لقد خلق هذا العالم الاقتصادي البنغلاديشي  أول هيئة للقروض الصغرى. مبادرة انتشلت الملايين من الفقر والبؤس وحصل بفضلها على جائزة نوبل للسلام سنة 2006 .اليوم،يتوخى الذهاب أبعد من ذلك. طموحه؟إعادة تأسيس الرأسمالية بفضل خاصية الإيثار،وكذا المقاولة الذاتية ثم العمل الاجتماعي. حلمان  مناهضان للعولمة أو براغماتيان قائمان على قناعات ليبرالية قوية؟لذلك التقيناه قصد استيفاء مزيد من التوضيحات.

"تنطوي كل الكائنات البشرية على روح المقاولة" :هو ليس بآخر إعلانات جمعية أرباب العمل الفرنسية (ميديف)(Medef) بل شعار المتوج بجائزة نوبل للسلام سنة 2006،محمد يونس،مبدع فكرة القروض الصغرى.والذي أنقد ملايين الفلاحين والحرفيين من الفقر.يعتبر قوام الفكرة بسيطا: الإقراض، بهدف شراء آلة خياطة أو دراجة،دون فائدة استنادا إلى قاعدة وحيدة قائمة على الثقة،قصد تمكين أشخاص فقراء من ''إنشاء" مقاولتهم.

مؤسسة بنك غرامين(بنك القرى)التي وضع لبناتها الأولى منذ سنة 1976،تقرض حاليا سنويا تسعة ملايين امرأة فقيرة، ما يقارب 5،2مليار دولار. مع نسبة سداد تزيد عن %98 .سينتقل تصوره هذا إلى الغرب :ففي الولايات المتحدة الأمريكية يتوفر غرامين- بنك على تسعة عشرة فرع.

يونس القوي بنجاحاته،يسعى من الآن فصاعدا البحث في قضية الشغل،والبيئة أو الفقر المهول. ثلاث تحديات تقتضي دمج الإيثار أو حب الغير إلى جانب الاهتمام بمستقبل الرأسمالية.وتطلع  الاقتصادي كي تميل مختلف الميادين نحو نموذج الشركة الناشئة الذي نجح في تنصيب لوحات شمسية ببنغلاديش أو توفير معدات للعلاجات الطبية ،أو أيضا تجهيز مرائب تضامنية تؤمِّن إصلاح السيارات بالنسبة للسائقين الفرنسيين ذوي الإيرادات الضعيفة.

ومثلما أوضحت دراسته الأخيرة،المعنونة ب :"نحو اقتصاد بثلاثة أصفار : صفر فقر، صفر بطالة، صفر تلوث "(2017) ،فقد تجلى مشروع يونس تارة كمجرد طموح نحو بلورة اقتصاد مواز يوجهه الإيثار،على هامش النظام الاقتصادي ''العادي"وفق قاعدة ما استُخلص من فائض،بحيث يُحدد المستفيدون،وينتفع وحدهم "الفقراء حقا'' من برامجه،ثم تارة ثانية كمخطط شامل لإعادة بناء الاقتصاد حسب مرتكزات سليمة أكثر.

غموض نعاينه ثانية مع مفهوم العمل الاجتماعي نفسه،الذي نترجمه في فرنسا ب"الاقتصاد الاجتماعي التضامني".لكن، تكفي قراءة يونس والإصغاء إليه، كي نفهم أنه يضفي على العمل الاجتماعي، دلالة أكثر ليبرالية، من الذي ارتضيناه له في المعتاد.مناهض للدخل الإجمالي،الذي يحيل لديه على الاتكال،ثم ''مناصر حازم للتبادل الحر"،داعيا من خلال ذلك نحو،"تأصيل الأفكار المقاولاتية عند تفكير الجميع"،داعيا العاطلين إلى"التموقع ليس كباحثين عن الشغل بل كخالقين له".

خلال شهر نونبر الأخير،أفتُتِح في باريس أول مركز ليونس،بدعوة من عمدة المدينة آن هيدالغو.

هل يتعلق الأمر بالنسبة لمحمد يونس بإعادة خلق الرأسمالية أم فقط مداواة جراحاتها؟بهذا الخصوص سنطرح بعض الأسئلة على هذا البرغماتي الطوباوي.

حوارات سأحبك حتى آخر لحظة(1)
2018 - 02 - 15

تقديم : لقد عشق ألبير كامو النساء والعلاقات المتعددة. لكنه مع الممثلة ماريا كاساريس،التي تعرف عليها سنة 1944،سيعيش قصة حب مجنونة،التصدع،ثم استعادة العلاقة غاية اليوم الأخير. الشاهد على ذلك رسائلهما الملتهبة الصادرة حديثا (1917)عن دار غاليمار.  

لقد مثلت ماريا كاساريس بالنسبة لكامو : "مأساته"، و"انفعاله"، و"ألقه" و"سمكة السلمون المرقّط "، و"قديسته الصغيرة المتلهفة"، و"الراحلة الهائمة" ،و"شاطئه" و"حدائق هسبريدس "، و"غضبه الجميل"، و"نوره"، و"فرادته''.

بينما اعتبرت ماريا كاساريز،كامو : "رفيقها في المعركة"، و"أميرها الجميل المنفي"، و"سلطانها"، و" حبيبها المجنون''، و"كائنها الحي"، و"مصدر معرفتها"، و"الشاب المرهف والأسمر صاحب العينين اللامعتين "،ثم "الشاب المنتصر" حينما حصل سنة 1957على جائزة نوبل للآداب.

ماريا كاساريس (1922-1996) وألبير كامو (1913-1960) ،هذا الثنائي الأسطوري،الذي تمتع بحظ أن يعشق أحدهما الثاني خلال حقبة لازال الشغف يُعبر عنه بالرسائل،وليس برموز وعلامات أنترنيتية،ولم تتم بعد مُلاحقته من طرف  مصوري الصحف وتستعرض حيثياته المجلات.

حب يلتهب،بشعلة سعادة جميلة،عبر رسائل متوهجة قاربت 865 نصا، رسخت إلى الأبد هذين العاشقين الشهيرين والمتواريين في الآن ذاته. بدأ عشقهما ،يوم 6 يونيو 1944 ،تاريخ صادف نزول قوات الحلفاء إلى نورماندي، متطلعين نحو الحرية الكبرى.

 كان يبلغ آنذاك مؤلف رواية الغريب ثلاثين سنة،بينما قاربت الممثلة سن الواحد والعشرين.ازداد كامو في الجزائر،وكاساريس في غاليسيا الاسبانية.ميز كامو صوت يطبعه النيكوتين وهيئة شبيهة بنجم السينما الأمريكي"همفري بوغارت''،أما كاساريس فكان صوتها أرنّ ومظهر يحيل على "أوبرا كارمن".

 كامو، متزوج من فرانسين فور Francine Faure،التي خلف منها التوأم "كاترين" و"جين"، سنة 1945 .بينما لازال المستقبل أمام  كاساريس، لكن الأخيرة تحتكم إلى مبادئ : تفضل إنهاء علاقتها مع رجل لن يتزوجها ولديه أطفال. منفصلان،فقد عرفا الشهرة سنة 1947، كامو بإصداره لرواية الطاعون، ثم تألق كاساريس سينمائيا برفقة جيرار فيليب في فيلم:  la chartreuse de Parme لكريستيان جاك.

لكن، يوم 6 يونيو 1948،الذكرى السنوية لافتتانهما ،صادف أب الأسرة (كامو) خطيبة الممثل جان سيرفي(كاساريس)،وسط شارع سان جيرمان ثم على الفور توقدت النار ثانية بينهما. ومنذئذ،استمرت حكايتهما غاية الموت المفاجئ لألبير كامو ،يوم 4يناير 1960 .

 أيام قليلة،بعد ذلك كتب كامو إلى ماريا كاساريس :"سنة سعيدة،حبي الغالي !كوني جميلة وسعيدة،مع الوجه الجميل المشرق الذي أعشقه. ولا تنسي رفيقك،الذي سيلج، على نحو خفي،المأدبة ماسكا يدك بلطف يدك،حبيبتي.أقبِّلك،كل السعادة كي ألتقيك ثانية".

لكنهما لن يلتقيا أبدا.  

هذه الرسائل التي لم يسبق نشرها،بين الكاتب المسرحي وممثلته الساحرة لا تقدم فقط قياسا لعشقهما الثابت،وتظهر كذلك قوة تجاوبهما الفني والفكري.

كتب كامو في رسالة سنة 1950 :"ما يفعله كل واحد منا على مستوى عمله،وحياته،لا يقوم به وحده،بل وحده حضور يشعر بالصحبة" .هكذا نرى بالفعل تواترا في هذا الكتاب لتاريخ بأكمله أدبي،مسرحي،وسياسي ،يعتبر فيلسوف العبث وكذا الممثلة التراجيدية،فاعليه الملتزمين. هما معا أبناء منفى ومسافران كبيران.ثنائي مدهش،لم يكشف قط رسميا عن قصته ثم واصل إخفاء سره،بينما ظل الكاتب الحاصل على جائزة نوبل والممثلة التي برزت في مهرجان "أفينيون''على الدوام تحت الأضواء.  

حوارات أدونيس : حديث حول سوريا، بشار،العرب، الإسلام، الشعر…
2018 - 02 - 02

تقديم :أدونيس المنحدر من سوريا،الذي يعتبر بمثابة الشاعر الأساسي للغة العربية،وجد نفسه تحت لهيب انتقادات هستيرية جدا داخل ألمانيا،منذ إعلان  حصوله على جائزة الألمانية المهمة والمعتبرة :جائزة"إيريك ماريا ريمارك''للسلام(مدينة أوسنابروك).مثقفون عرب،سخروا من أدونيس نتيجة مواقفه من ''الربيع العربي''وكذا نظام بشار الأسد.يعيش أدونيس، واسمه الحقيقي أحمد سعيد اسبر،منذ أكثر من ثلاثين سنة في منفاه الباريسي.الرجل البالغ من العمر ستة وثمانين سنة،استقبل مبعوث الصحيفة اليومية الألمانية : (Die Welt)في شقته الصغيرة المتواجدة في الطابق التاسع لعمارة بباريس.صراحة،جاءت أحيانا أسئلة هذا الحوار بلهاء وتنم عن ضعف  الصحفية التي تكلفت بصياغة الأسئلة. مع ذلك،عثر اللقاء على حافزه لأن أدونيس امتلك شجاعة مقدسة،كي يجسد بكل بساطة ماهو عليه.

أما الحوار الثاني، فقد كان فرنسيا،بحيث التقى أدونيس المراسل الحربي والكاتب جان بيير بييرين،الصحفي بجريدة "libération"،فجاء تقديمه كما يلي : ((بعد رحيل الفلسطيني محمود درويش،يبقى أدونيس آخر صوت شعري عربي كبير،وأحد أهم الشعراء المعاصرين.يتنفس أدونيس القصيدة منذ سن الثالثة عشر،وهو طفل بأسمال بالية، لكنه أبان منذئذ عن طموح قوي.قصيدة اعتبرها"تراجيدية ماهويا"وأحالها ثانية دائما على الفلسفة.تكلم عن موضوعات الله، والحرب، والسلم، والجنس، والثمالة، والجنون. ولد أدونيس سنة 1930 في قرية علوية بسيطة،لكنه غادر سوريا مبكرا،معتبرا أن العيش في هذا البلد"سيحجب عنه الأفق"،نحو بيروت بداية،ثم فرنسا سنة 1985 . في عمر السابعة عشر،استعار لقب أدونيس : "لقد حررني ذلك من اسمي علي،وكذا انتماء اجتماعي ينغلق ثانية على الانغلاق الديني".منذ تلك اللحظة،لم يتوقف عن مجابهة المحظورات.عندما أعلن ذات مرة بأن :"اليهود مكون ضمن مكونات تاريخ الشرق الأوسط"،قاده التصريح إلى الطرد من اتحاد كتّاب العرب. لقد صارت سوريا بالنسبة إليه جرحا مفتوحا : " أنتشل قدماي،من مصير حلب.هاهي مسالكي ثم هاهي نهاية البلد.أنغمس في جرحي ولغتي كما لو كان قلبي منبطحا تحت وطأة منزلي".     

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار