تقديم : ولد عاموس عوز،في القدس سنة 1939،بين أحضان عائلة يهودية بولونية هاجرت إلى فلسطين نتيجة الاضطهاد.تحتفظ ذاكرته عن القدس خلال تلك الحقبة،بصورة مدينة ميّزتها''فسيفساء ثقافية''.إبّان سنوات مراهقته،انتقل إلى مستوطنة''هولدا كيبوتس''،فاختبر حياة مفعمة ب"الأخوّة''.
بعد دراسات أدبية وفلسفية،شارك سنة 1967 في حرب الأيّام الستّة،ثم انضمّ إلى صفوف حركة ترفض كلّ ضمّ قسري.أصدر روايته الأولى''هناك ربّما''(1971). العودة ثانية إلى الجبهة العسكرية خلال حرب كيبور(1973) ،قبل تأسيسه سنة(1977)صحبة مثقّفين إسرائيليين آخرين حركة''السّلام الآن''،التي ناضلت من أجل الاعتراف بدولة فلسطينية،والعودة إلى حدود 1967 وكذا إخلاء المستوطنات.
اعتُبر عاموس عوز لفترة طويلة،أحد النّاطقين باسم اليسار الإسرائيلي و حركة ''السلام الآن''،ومدافعا عن قيام دولة فلسطينية.
تواصلت إصداراته الرّوائية باللغة العبرية،لكنها تُرجمت إلى مختلف لغات العالم مثلما الشأن مع روايته''العلبة السوداء''التي فازت بجائزة فيمينيا سنة (1988). كذلك،عرفت روايته الأخرى''تاريخ الحبّ والعتمة''نجاحا عالميا كبيرا.
بحكم سلطته المعنوية داخل إسرائيل،ساهم في النّقاشات التي أفضت نحو اتّفاق جنيف شهر دجنبر 2003،فاصدر كتابه/البيان تحت عنوان :''ساعدونا على الطّلاق!إسرائيل فلسطين،دولتان حالا''.
توفيّ عاموس عوز،أحد أكبر أدباء إسرائيل،يوم 28 دجنبر 2018عن سنّ التّاسعة والسبعين،بعد معاناة مع مرض السرطان.ترك عملا أدبيا حظي بجوائز،قوامه عشرين رواية ومجموعات قصصية،إضافة إلى عدد من الدّراسات وجملة مقالات صحفية.
التقيته بعد شهور من حفل توقيع عمله المعنون ب''مبادرة جنيف ''يوم 1 دجنبر 2003 حول السّلام،اتّفاق تاريخي شامل بخصوص حقوق الدّولتين،اليهودية والفلسطينية،داعيا إلى الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة،وتقاسم السّيادة على القدس،وضع لم يتمّ تفعيله سوى جزئيا جدا.
دعوة رفضها على الفور أرييل شارون والليكود،معتبرين الأمر''خطيرا على إسرائيل''.بدورها،لم تكترث حماس بكلام عاموس عوز ووصفت مضمونه ب''الخيانة''.
من المهمّ اليوم إعادة قراءة هذا الحوار،الذي تبلورت معالمه مباشرة بعد صدور كتاب عاموس عاوز :''ساعدونا على الطّلاق! دولتان الآن''(غاليمار،2004 )،منتقدا بشكل حادّ''النّزعة المثالية المفرطة''للمثقّفين الفرنسيين المدافعين عن الفلسطينيين دون استيعاب للمواقف الإسرائيلية على مستوى الدّفاع عن الذات،لكن في إطار دعم قوي لاستراتجية ''تسوية مؤلمة''بين إسرائيل والفلسطينيين تفضي نحو الاعتراف بوجود الدولتين،السّبيل الوحيد الممكن في نظره،وكذا مناصري حركة ''السلام الآن''.
أمل ضعيف،تدعمه فرنسا منذ فترة،يبدو اليوم في تصوّر بلدان عديدة مخرجا وحيدا من أجل وضع نهاية للوقائع الدموية التي اندلعت شرارتها نتيجة هجمات حماس يوم 7 أكتوبر 2023 (1195قتيلا،و 250رهينة)،ثمّ التّدمير الممنهج واللا- إنساني لقطاع غزة من طرف الجيش الإسرائيلي(67.000 قتيلا مدنيا،160.000 جريحا،وفق الإحصائيات التي وفَّرتها غاية الآن وزارة الصحة في غزة،الموثوق بها دوليا).
حاليا،بداية سريان مفعول وقف النّار ومخطّط السّلام الذي أعلنت عنه إدارة دونالد ترامب.يوم الجمعة 10 أكتوبر،أكّد الجيش الأمريكي بأنّ القوّات الإسرائيلية شرعت في الانسحاب من غزة،وكذا عودة أكثر من مائتي ألف فلسطيني يوم السبت إلى شمال القطاع.حماس بدورها التزمت بقرار إطلاق سراح الرّهائن الإسرائيليين ابتداء من ظهيرة يوم الاثنين.ربما يعرف مشروع السّلام انطلاقة بعد مذبحة استمرّت شهورا.
تر كّز عيناه الزرقاوان على مايجري حوله،يستعجل عاموس عوز الإقناع،يعشق السّلام بكيفية عنيدة،حضر كضيف شرف للتّظاهرة الثقافية الكبرى ''كوسموبوليس''التي تنظّمها مدينة برشلونة سنويا واختارت هذا العام موضوع الحرب،هكذا تضاعفت اللقاءات والمداخلات الحارقة.لم يأت ل''النّميمة''،بل كي يرافع،يناضل،يباغت ثم يسخر.يرغب في إسماع الأوروبيين الرّسالة السياسية لحركة "السّلام الآن''،التي اختزلها عنوان برنامجي استلهمه كتابه الصادر بداية السنة :''ساعدونا على الطّلاق! دولتان الآن''(غاليمار).
عاموس عوز- يعني الشقّ الثاني من الاسم باللغة العبرية ''القوة'' "الشجاعة''- شخص عاشق للسلام لكن وفق تصوّر واقعي،بحيث بادر إلى توقيع عدّة عرائض، ويعارض بكيفية مطلقة أرييل شارون والليكود.رجل عملي،وناشط عنيد وصبور.
يعتبر ربما الكاتب الإسرائيلي الأكثر شهرة،وأحد الأصوات السياسية لحركة "السلام الآن''ورموزها.شارك بفعالية في الجدالات التي أفضت نحو مبادرة جنيف شهر دجنبر 2003،تناقش على امتداد أيام بأكملها مع الفلسطينيين حول مختلف الموضوعات التي شكّلت مصدرا لسفك الدّماء :عودة اللاجئين،الأراضي المحتلّة،الجدار الفاصل بين الدّولتين، في خضمّ تنامي الغضب و الألم،ثم توثيق كل بند من بنود التّسوية.
انتزاع توقيعات قصد إخراج إطار اتّفاق جنيف إلى العلن،يرتّب لدولتي إسرائيل وفلسطين،ويتيح لهما إمكانية العيش متجاورين،يفصل بينهما حدّ محكم.تقول إحدى عبارات كتاب عاموس عوز بين طيات كتابه''ساعدونا على الطلاق":
"نتخلّص من حلمنا بخصوص إسرائيل الكبيرة،مثلما يتخلّص الفلسطينيون من نفس حلم فلسطين الكبرى.إذا حدث تفعيل هذا الاتّفاق،لن يبقى في الشرق الأوسط مخيّم لاجئين فلسطينيين يرزح تحت اليأس،الكراهية،التعصّب''(ص 38).
حسب حركة ''السلام الآن''،يؤمن سبعون في المائة من المجتمع الإسرائيلي بضرورة بلوغ لحظة هذا الطّلاق،لكن يتوقّف الأمر حاليا على مبادرات المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين كي يجعلوا الأمل معطى واقعيا،ثم يضيف عاموس عوز بأنّ :''رفض تسوية من هذا القبيل يقود نحو التعصّب،حرب تستغرق على الأقل مائة سنة''،ويسخر من أوروبا:لم تصنع قط على امتداد تاريخها سلاما بكيفية سريعة للغاية.
س- تقول بأنّ المجتمع الإسرائيلي''ديمقراطي،مترف،متحمِّس''،ولاعلاقة بوضعه مع حيثيات الصورة العدوانية والمتعصّبة التي تقدّمها وسائل الإعلام…
ج-بالتّأكيد.تختلف حقيقة العالم الواقعي عن العالم كما تظهره شبكة(سي.إن. إن).تكشف الحياة داخل إسرائيل عن هذا المعطى بكيفية لافتة للأنظار.لقد عُمِّمَت في كل مكان صورة مجتمع إسرائيلي غير ودِّي تتشكّل ساكنته من متديّنين متعصّبين تقارب نسبتهم ثمانين في المائة،وكذا جنود شرسين متسلّحين بالبنادق الرشّاشة يبلغ عددهم تسعة عشر في المائة،ولايتجاوز عدد المثقّفين الرّائعين رقم واحد في المائة،يدرجونني ضمنهم،حالمين جرّيئين يدافعون عن أطروحات السّلام ويتمسّكون عبثا بانتقاد توجُّهات الحكومة.تقييم نظرة خاطئة تماما لأنّها تخفي النّقاشات الحادّة بين الصقور والحمائم، وعمقها وكذا قوّتها الدرامية.المجتمع المدني الإسرائيلي بمثابة برلمان تحت سماء مفتوحة.إسرائيل بلد يطوي داخله ساكنة تتجاوز ثمانين في المائة مثلما يعيش أهل مارسيليا،برشلونة أو نابولي،ضمن أجواء تذكّر أكثر بفيديريكو فليني من إنغمار برغمان.أفراد علمانيون،يشكّلون طبقات متوسطة، مزعجون، مرحون، أنانيون، ملتهبون،وليسوا بملائكة،بل بعضهم مجرّد خنازير.لايهتمّ جميعهم بالإيديولوجية،وأغلبهم تحكمه مرجعية مادية ودنيوية،يرغبون كما الشّأن أيضا مع فلسطينيي إسرائيل،في بلوغ حلٍّ برغماتي لهذه الحرب وأن يعيشوا حياة سعيدة.الشّباب مهتمّ أكثر بالنّوادي الليلية الجديدة،وآخر صيحات المطاعم التّايلاندية وكذا البرنامج السينمائي في تل أبيب أكثر من أخبار قرى الغرب. لم أعرف أبدا تفاعلا فنيا سوى خلال هذه الفترة الحالية،على مستوى الأدب، السينما، المسرح، الفنون البلاستيكية،إلخ.
س-لكن الانتقادات نحو إسرائيل تنصبّ أكثر على حكومة أرييل شارون وليس الشعب الإسرائيلي؟
ج-ليس صحيحا.أعاين فقط تقارير إخبارية حول حياتنا الواقعية،غير دقيقة،أساسها صور نمطية.بالتالي،أجدني باستمرار أمام أخبار دعائية.لقد توقّف الحوار بين أوروبا المثقّفين وكذا المجتمع المدني الإسرائيلي.يشيرون إلينا بالأصبع،قصد شيطنتنا،مما يعكس كارثة بالنّسبة إلينا. نعلم جميعا استمرار الأدب،تراث الحرية خلال أسوأ أيام فترة الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا،عندما اقتُرفت جرائم فظيعة باسم فرنسا.لم يصرخ شخص سواء داخل إسرائيل أو في مكان ثان :''لنقاطع فرنسا''.بينما ألاحظ اليوم،مدى فظاظة المقاربة الإعلامية والفكرية حيال إسرائيل،مما يجعلنا نشعر بالنّبذ وقد حُشِرنا عند ركن زاوية.
س- هل تودُّ تأكيد فكرة عدم استيعاب أوروبا لمأساة إسرائيل…
ج-سنكون في الوقت ذاته''ملائكيين''و''أصحاب نزعة مانوية''.ينطوي النّزاع بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين على مختلف عناصر التراجيدية بالمعنى الكلاسيكي.يتصادم شعبان،وقد استند كل واحد منهما على مرجعيات يقينية بخصوص حقّه.يرغب الفلسطينيون في استعادة أرضهم،فلا يمتلكون وجهة بلدن ثان يعتبرونه وطنا لهم.أيضا،يعلن اليهود انتماءهم لنفس بلد الفلسطينيين ولايرغبون في مكان ثان.هاهما قوميتان بلا موطن،وينشدان نفس الوطن،داخل بلد كبير في حجم مساحة صقلية.ليس سوء تفاهم، بل تراجيدية،يمكن العثور على مخرج لها حسب أسلوب شكسبير،من خلال مشهد نهائي يغمره الأموات،وقد تحقَّقت العدالة أو على طريقة تشيخوف.هكذا يعود كل واحد إلى مكانه مستاء،كئيبا،منكسر الفؤاد لكنه يظلّ حيّا.
س-تحدَّثت عن تصوُّر مثقّفي أوروبا لهذه التراجيدية بكيفية ''هوليودية مفرطة"؟
ج-ينبغي على مثقّفي أوروبا التوقّف عن الاعتقاد بوجود جانب يهمّ الملائكة سواء في إسرائيل وكذا فلسطين.يبدو الاختيار الملائكي بسيطا،حين مناهضتهم الاستعمار وتردديهم دعوة القضاء عليه.استنكار الأبارتيد سهل.نفس الحكم يمكن إسقاطه على دعم فيتنام فترات مواجهتها للولايات المتحدة الأمريكية.لكن الصّراع الإسرائيلي الفلسطيني،ليس بفيلم ويسترن،وليس بدراما مانوية وثنائية المنحى،إما سوداء أو بيضاء.لايوجد طيّبون في هذه الجهة وأشرار يجتمعون عند الجهة الأخرى،كما الشّأن مع السيناريوهات الهوليودية الساذجة.إنّها دراما مرتبطة بهذه الأرض،ينبغي تفكيكها.أتفاجأ حين رؤية مثقّفين أوروبّيين يبحثون ثانية بسذاجة عن''الطّيّب''الذي يربح الرهان ثم ''الشقيّ''الذي يخسر.أقول، لهؤلاء :''اصنعوا السّلام وليس الحبّ''.
س-هناك بحسبك تقليد آخر بخصوص التزام فكري،لايقدّم دروسا كثيرة،معطى قادك نحو صياغة وتدبيج ''مبادرة جنيف''…
ج-أنتمي إلى تيار مختلف للغاية،معتدل،اشتراكي،لايعتبر المثقّفين ضمن تصوّره كقضاة عادلين بل فريق مرحِّب وفعّال. إذا وصلتُ إلى مكان حادثة سير والضحايا ينزفون دما،فلا يمكنني حينها الشّروع في توجيه عبارات اللّوم إلى السّائق المتهوّر ثم تقديم شكوى.سأحاول بداية العمل على وقف النّزيف وتقديم الدّعم إلى الضحيّة.تنتمي هذه المقاربة الفكرية إلى تقليد مضياف.عندما نستحضر تطلّعات الفلسطينيين البراغماتيين،تجري كل الأمور مثلما يعمل فريق من الأطباء،بحيث يقع أحيانا الاختلاف حول التّشخيص،أو العلاج.لكن يُطرح أمامنا عمل طبي يلزمنا جميعا القيام به.
تقديم :أجرى هذا الحوار مع غسان كنفاني،كاتب سويسري متخصِّص في أدب كنفاني،قبل أسابيع من اغتيال صاحب''رجال في الشمس'' يوم 8يوليو 1972،بالتالي تندرج مضامينه ضمن الوثائق التّاريخية الأساسية قصد الإحاطة ببعض جوانب تراث كنفاني.
س-هل بوسعكَ غسان كنفاني أن تحدّثنا عن تجربتكَ الشّخصية؟
ج-أظنّ بأنّ تاريخي يعكس وسطا فلسطينيا تقليديا جدا.غادرتُ فلسطين في سنّ الحادية عشر وأنحدر من أسرة تنتمي إلى طبقة متوسطة.كان أبي محاميا ودرستُ في مدرسة فرنسية تبشيرية.فجأة،تَفَكَّكَتْ أوصال عائلتنا المنحدرة من الطبقة الوسطى ثم تحوَّلنا إلى لاجئين،فورا توقَّف أبي عن العمل نتيجة أصوله المجتمعية العميقة.عندما غادرنا فلسطين،واصل أبي العمل لكن بلا معنى،فقد أرغمه الوضع على ترك طبقته المجتمعية والانحدار صوب أخرى أقلّ مكانة،مسألة ليست هيِّنة.فيما يخصّني،بدأت الاشتغال منذ الطفولة والمراهقة قصد تلبية حاجيات الأسرة،وأكملتُ دراساتي بوسائلي الذّاتية بفضل مهنة لاتستدعي تأهيلا أكاديميا عاليا،أقصد مُعَلِّما داخل إحدى حجرات مدارس القرية.كانت بداية منطقية،لأنّها وضعية أتاحت لي إمكانية مواصلة دراساتي في السلك الثانوي.بعدها التحقتُ بجامعة دمشق،شعبة الأدب العربي،طيلة ثلاث سنوات،لكنّي طُرِدتُ لأسباب سياسية وهاجرتُ إلى الكويت حيث مكثت عشر سنوات،بدأت خلالها القراءة والكتابة.أمّا بخصوص مساري السِّياسي فقد انطلق سنة 1952،وأنا في عمر الرابعة عشر أو الخامسة عشر.خلال السنة نفسها،أو الموالية 1953،التقيتُ في دمشق صدفة للمرّة الأولى الدكتور جورج حبش.كنت أشتغل مدقّقا للاختبارات داخل مطبعة،لاأذكر تحديدا من عرّفني به،غير أنّ أواصر علاقتنا تبلورت منذ تلك اللحظة.التحقتُ فورا بصفوف الحركة القومية العربية وحينها انطلقت فعليا حياتي السياسية.خلال فترة تواجدي في الكويت،أظهرت فاعلية سياسية داخل صفوف تلك الحركة،التي تمثِّلها حاليا أقليّة مهمّة داخل الحكومة الكويتية.سنة 1967، تلقّيتُ اقتراحا بالانضمام إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،الفصيل الفلسطيني لحركة القوميين العرب.سنة 1969،انتميتُ إلى هيئة تحرير مجلة''الهدف"حيث أواصل الاشتغال.
س- هل بدأتَ الكتابة عقب دراساتكَ للأدب العربي؟
ج- لا،أعتقد بأنّ اهتمامي بالأدب العربي بدأ قبل هذه المرحلة.أحسّ بكونه جاء حصيلة تركيب نفسي،إن كانت ذاكرتي جيّدة.قبل الرّحيل عن فلسطين،درستُ في مدرسة فرنسية تبشيرية،مثلما أشرتُ سابقا.بالتالي،لم أمتلك لغة عربية رغم أنّي عربيّ ،وضع خلق لديّ عدّة مشاكل،وسخرية أصدقائي نتيجة عدم تمكّني من اللغة العربية.لم أختبر هذا الأمر حينما كنت في فلسطين،بحكم وضعي الاجتماعي.لكن عندما غادرت،ومعرفتي بأصدقاء جدد انتموا إلى طبقة اجتماعية أخرى لاحظوا من الوهلة الأولى ضعف مستوى عربيتي وتوظيفي تعابير غربية خلال أحاديثي،ممّا دفعني قصد التخلّص من المعضلة التركيز على اللغة العربية.أستعيد واقعة تعرُّضي لكسر على مستوى القدم نتيجة حادثة سير،سنة 1954 إن لم تخني الذاكرة،فأرغِمْتُ على المكوث طريح الفراش طيلة ستّة أشهر.شكّلت الحادثة فرصة لدراسة العربية بكيفية فعلية.
س-يمكن الاستشهاد حسب اعتقادي بأمثلة عديدة عن تاريخ شخصيات ''أضاعت''لغتها ثمّ سعت إلى استرجاعها ثانية.هل تتصوّر بأنّها عملية تؤدّي إلى تطوّر الشخصية سياسيا؟
ج-لاأعرف،قد يكون المنحى كذلك.فيما يخصّني،أضحيتُ مسيّسا بكيفية مختلفة. انتميتُ مبكرا جدا إلى عالم السياسة خلال فترة حياة المخيّمات بحيث عشتُ في تماسٍّ مباشر مع الفلسطينيين و مشاكلهم من خلال بالتالي اختبرتُ حقبة طفولتي هذا المناخ الحزين و الوجداني.لم يكن صعبا في غضون ذلك اكتشاف الجذور السياسية للسياق الذي يحيط بي.عندما شرعتُ في التّدريس،واجهتُ صعوبات كبيرة مع أطفال المخيّم،ينتابني الغضب عندما أرى طفلا نائما أثناء الحصّة،فيما بعد اكتشفتُ ببساطة علّة ذلك : يشتغل هؤلاء الأطفال ليلا،يبيعون الحلوى أو العلكة وأشياء من هذا القبيل داخل قاعات السينما والأزقّة.طبعا،يأتون إلى الفصل مرهقين.معطيات وضعية تهتدي بالشخص فورا نحو أصل المشكلة.حينها اكتشفتُ بوضوح أنّ منام الطّفل ليس استخفافا بي أو امتعاضه من التعلّم،ولابكرامتي كمدرِّس،بل مجرّد انعكاس لقضية سياسية.
س-إذن ساهمت تجربتكَ في التّدريس على تطوير وعيكَ المجتمعي والسِّياسي؟
ج-نعم،أذكر حدوث هذا الأمر فورا ذات يوم.كما تعلم،يدرّس معلِّمو المدرسة الابتدائية مختلف المواد،بما فيها الرّسم،الحساب،الانجليزية،العربية ودروس أخرى.كنتُ بصدد محاولة تعليم الأطفال كيفية رسم فاكهتي تفّاحة وموز حسب البرنامج المقترح من طرف الحكومة السورية،مادامت الضرورة تقتضي الامتثال للمنهاج الدراسي.خلال تلك اللحظة،وأنا أتوخَّى رسم الصّورتين على السبُّورة بشكل أفضل قدر المستطاع،لكنّي أحسستُ بشعور الاستلاب وعدم الانتماء؛وأتذكّر إلحاح شعور إبّان تلك الفترة يلزمني بضرورة القيام بشيء معين،فقد أدركتُ حتى قبل تأمُّل وجوه الأطفال الجالسين خلفي،أنّهم لم يكتشفوا قط الفاكهتين المقصودتين،لذلك تمثّل آخر اهتماماتهم،بحيث تنعدم أيّ علاقة بين هؤلاء الأطفال والصّورتين.تحديدا،العلاقة متوتّرة بين مشاعرهم وتلك الرسوم،وليست على مايرام.جسّدت معطيات اللحظة منعرجا محوريا،وأستعيد تماما تلك اللحظة الخاصة من بين جلِّ وقائع حياتي.هكذا،بادرتُ إلى محو السبّورة ثم طلبتُ في المقابل من الأطفال أن يرسموا مخيّما.بعد مرور أيام،حضر المفتِّش إلى المدرسة،ثمّ كتب تقريرا مفاده انزياحي عن إطار البرنامج المحدّد من طرف الحكومة،تأويل يعني بأنّي مدرِّس فاشل.قادتني مباشرة إمكانية الدّفاع عن نفسي نحو القضية الفلسطينية.تراكم خطوات صغيرة من هذا القبيل يدعو الأفراد كي يتّخذوا قرارات تطبع كل حياتهم.
س-تعليقا على هذه الإشارة،أعتقد بأنّه حين انخراطك في الفنِّ،باعتبارك اشتراكيا في كل الأحوال،انطلاقا من موضوع رسم الفاكهتين،حاولتَ إعادة ربط الفنِّ مباشرة بالمجالات الاجتماعية،السياسية والاقتصادية.لكن مايتعلّق بكتاباتكَ،هل ترتبط بحقيقتكَ ووضعيتكَ الحالية،أو تأتي من رافد إرث أدبيّ؟
تقديم :أجرت صحيفة لوموند الفرنسية هذا الحوار مع الشاعر محمود درويش،عقب فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني يوم 25يناير 2006،بين طيَّات سياق تاريخي تميَّز بصعود تنظيمات حركات الإسلام السياسي…
س- هل يندرج بروز نجم حماس على الساحة الفلسطينية ضمن أجواء مناخ عام يشهد طفرة التيار الإسلامي على مستوى الفضاء العربي–الإسلامي؟
ج-فعلا هي مسألة بديهية :ليس بوسع فلسطين أن تظلّ جزيرة ضمن محيط يختبر صعود الإسلام السياسي.إذا أجريت انتخابات حرَّة في العالم العربي-الإسلامي،سيحقِّق الإسلاميون ببساطة انتصارا في كل مكان! إنَّه عالم يعيش تحت إحساس عميق بالظُّلم، ويتحمَّل الغرب مسؤولية ذلك،مادام جوابه يأتي وفق صيغة تطرُّف إمبريالي يعضِّد الإحساس بالجور.فضاء من هذا القبيل،يجعلنا أمام هويات مجروحة.
س-ماطبيعة هذا الجرح؟
ج-يجد العرب والمسلمون أنفسهم،في مواجهة استبداد أمريكي كونيٍّ بجانب ديكتاتورية طغاة محلِّيين،وضع يجعلهم عاجزين عن تحديد الوجهة.أيضا،يقارنون بؤسهم، بانتشار ثراء تكشف عنه مختلف الشاشات،يجعلهم يحسون بأنَّهم خارج سياق التاريخ. نتيجة ذلك :الارتداد عن الثوابت التاريخية،وتشكُّل وضعية عالقة تعريفيا في الماضي.جروح تتعفَّن ثمّ تضيع المقاييس.لقد فشلت تجارب القومية،العالم الثالث،الاشتراكية والشيوعية.بل حتى سيادة القانون تراجعت،مادام القانون الدولي ينعدم دوره في منطقتهم.منذ فترة طويلة جدا،تراوغ إسرائيل هذا القانون دون أثر يذكر لأيَّ عقاب.
س-بوسعهم اختيار طريق الديمقراطية ؟
تقديم : إدمون عمران المالح كاتب روائيّ،كتب''المجرى الثَّابت''(1980)،''أيلان أو ليلة الحكي''،(1983)''ألف عام بيوم واحد''(1986)،''عودة أبو الحكي''(1990)،أبو النُّور(1995).صدر العملان الأوَّلان على التَّوالي ضمن منشورات''ماسبيرو''وكذا ''لاديكوفرت''،بينما تكفَّلت دار النشر ''الفكر المتوحِّش ''بإخراج الأعمال الثلاثة الأخرى إلى الوجود.
أيضا،أنجز إدمون عمران المالح عدّة دراسات حول الفنِّ التشكيلي،والتَّصوير الفوتوغرافي،لاسيما حول الفنان أحمد الشرقاوي(منشورات شوف)،"جان جنيه،الأسير العاشق"،''العين واليد،أعمال خالي الغريب''(منشورات الفكر المتوحِّش).
تخيَّلوا معي شخصا واقفا يتأمَّل البحر،صامتا لايتحرَّك أو تقريبا كذلك أمام رمال ورياح الصويرة،يداعب بأصبع طرف شاربه ثم يقلِّص بلطف أنفه الذي يسند نظَّارتيه،عيناه نصف مغمضتين ومركَّزتين،تحاول الإحاطة بالمشهد مثلما نحاول الإمساك بطفل كي لايسقط،يشبه حجم قامته وشكله ولتر بنيامين،نفس ملامح الوجه،وشَعْره الأملس والأشيب،ثم ذات النَّظرة المتردِّدة بين الجدِّية والمرح.
إدمون عمران المالح،يهوديّ مغربيّ،ولد في أسفي عام 1917،يعتبر من الكتُّاب الذين لايفصلون مشاريعهم في الكتابة عن حيواتهم.لذلك،يمكن الإقرار تقريبا بأنَّ علاقة الرَّافدين أشبه بالعلاقة بين الشجرة والأرض.وضع يفسِّر حتما سبب رفضه بصورة منتظمة دعوات إجراء لقاءات إعلاميه معه،محيلا القرَّاء على مؤلَّفاته وكذا التوجُّس من الزمن عبر سبل الكتابة.كتابة تختبر تماما حركة عودة واسعة؛ليست عملية استعادة بل على العكس من ذلك،حركة مدٍّ وجزر تمحو كل تباين بين البداية والنهاية،وتغطِّي باستمرار ثم تكشف عن ثنائيتها،باكتشاف خسارتها…الشِّعاب المرجانية لحياة أمام أمواج الذَّاكرة.
يجرف التاريخ الصُّور التي تعبر هذه الذاكرة نحو وجهتي عالمين،يحرس على عدم الفصل بينها،والتباعد بينها،ثم خاصة عدم تجميدها.تختمر الكتابة بين طيات نواة هذا اللقاء وتأخذ الكلمات،شيئا فشيئا،مكان الصمت،ليس من أجل القطع معه،لكن قصد السماح،في إطار سياقه قصد الإصغاء وكذا تسليط الضوء على أصوات توارت.
إدموند عمران المالح حرٌّ،مثلما نصف بلدا بكونه قد تخلَّص من كل احتلال خارجي،لذلك يرفض قواعد وأغلال ثقافة راسخة.تمتلك عبارات نصوصه لها قوة وإيقاع تدحرج الأمواج بحيث تستدعي التيارات وتحشد بكيفية دائمة وصول أمواج أخرى ؛ثم تقفز سدود علامات التَّرقيم،إذا حتَّم السياق ذلك؛قصد إعادة إبداع خطوط التَّقاسم،تستبدل اللغة الفرنسية عالمها و كذا نبرتها،تستعرض دواخل اللغة العربية،تتجاوز الحدود،تنفتح على تعدُّد الأصوات،لقد اقتحمتها اللغة.ينطوي هذا الاختيار للكتابة على شجاعة ونَفَسٍ نعاينه ثانية،في إطار صيغة أخرى،من خلال مواقفه السياسية.
ميَّزت حقبتان مسار إدموند عمران المالح :حقبة أولى سرِّية وعسكرية داخل الحزب الشيوعي المغربي،ثم حقبة ثانية غداة التزامه،بالكتابة أساسا وابتعاده عن النشاط النِّضالي،لم يشكِّل هذا الانعطاف تنكُّرا،بل درجة إضافية على مستوى الحرية والوضوح.
لم يتغير قط،ارتباطه بالثقافة اليهودية-المغربية،والعربية بمعناها الواسع،وكذا رفضه لإسرائيل من خلال كونها قوة استعمارية رجعية وعنصرية،لكنها تبلورت تعبيريا منذئذ بكيفية أخرى.
إدموند عمران المالح،كاتب ملفِّق،منذ عمله الأول''المجرى الثابت''،غاية إصداره الأخير''أبو النور''،يعرض مايفوق الوصف،يضفي حياة على العالم الذي أنقذته ذاكرته من الغرق،عالم يتلاشى لاستحضار منزل فارغ انبعث ثانية في اتصال ب''ثلاث نخلات من فوق حائط أحمر''،تنتصب إحداها ضد تزييف التاريخ،وتنمحي أخرى قصد منح المكان إلى الليل.
قِلَّة هم الأشخاص،داخل العالم العربي،الذين أمكنهم الحفاظ بكثير من الصرامة والاستمرارية ضمن أفق مطالبهم بل أدَّى بعضهم ثمن ذلك بعزلة كبيرة.
تمثِّل شهادة إدموند عمران المالح،من وجهة نظر أدبية وكذا وجهة نظر الذاكرة،مساهمة وحمولة ذات قيمة نفيسة.ويظل مؤثِّرا و مطمئِنّا حين رؤية الاحتضان وكذا التقدير الذي تحظى به كتاباته اليوم في المغرب.(دومنيك إده)