مقالات نقدية شعراء عرب : إن أحبوا ماتوا
2021 - 11 - 27

أورد الجاحظ في إحدى صفحات كتابه''الرسائل الأدبية''،مايلي :"لم نسمع بعاشق قتله حبُّ غلام.ونحن نعدُّ من الشعراء خاصة الإسلاميين جماعة،منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثير قتله حبّ عزة،وعروة قتله حبّ عفراء،ومجنون بن عامر هيَّمته ليلى،وقيس بن ذريح قتلته لبنى،وعبيد الله بن عجلان قتلته هند،والغمر بن ضرار قتلته جمل.هؤلاء من أحصينا ولم نذكر أكثر''(1).

إنها أشهر النماذج الغرامية الخالدة التي بلورتها أنتروبولوجيا الثقافة العربية،بجانب التي أرستها باقي الثقافات الإنسانية الأخرى :روميو وجولييت، كيلوباترة ومارك أنتوني، أبولو ودافني، باريس وهيلين، بيراموس وثيسبي، شاه جيهان وممتاز محل،ماري وبيير كوري، الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، بيتهوفن وتيريزا مالفاتي     

 طبعا،تظل هذه الأمثلة الست،التي حصرها الجاحظ،مجرد نماذج جلية وعلنية تمكن المؤرخون في نهاية المطاف من توثيقها بهذا الخصوص،نظرا لذيوع صيت أطرافها،وتميزهم الجمالي على مستوى سبر أغوار أحاسيسهم والإنصات الشفاف لأصواتهم العميقة جدا، ثم التعبير عن ذلك بلغة الشعر السرمدية،فأبقت تلك الوقائع الشخصية لامتناهية ضمن صيرورة الزمان،وأخرجتها من إطارها الذاتي الخالص كي تأخذ بعدا كونيا،يتأبد ويترسخ؛مابقي الكون والناس والحب والحياة والجمال    

 جميل بن معمر/ بثينة : 

صُنِّف جميل بن معمر بكونه شاعر العشق من الدرجة الأولى،وبامتياز رائد شعر الغزل العذري،نسبة إلى قبيلة عُذرة؛ وادي القرى،التي تميز أفرادها برقة ودماثة فتساموا بروافد حب عفيف؛متجرد عن تلك النوازع العابرة.لذلك،وصفوا بكونهم إذا عشقوا وأغرموا، فقد اختاروا لامحالة مصير الموت التراجيدي،نتيجة إخفاقهم فيما يتعلق بتحقيق تطلعاتهم الغرامية.

هكذا،قيل ذات يوم في حق شباب هذه القبيلة،إنهم''قوم إذا أحبُّوا ماتوا"،جملة وردت على لسان شخص،عندما سُئل عن هويته وانتمائه،حينها صاحت جارية،بعد سماعها لهذا الجواب : ''عُذْري وربّ الكعبة''.

سبب تفسير سر هذا الهوى الذي ينتهي بصاحبه إلى المكابدة والموت حزنا،فقد جاء التأويل أيضا وفق ذات سياق أفق الجواب الأول،من خلال تأكيد أحدهم بأنهم يرون عيونا لايراها غير أهل قبيلة بن عذرة، مما يدل على مستوى الحضور الخُلُقي الذي ميز نساءهم.

أما أخلاقيا أو إيتيقيا ،فحينما ينشغل فؤاد رجل لديهم بعشق امرأة،كان يبادر إلى التغزل بها،وذكر اسمها في أشعاره،حتى إذا ذاع الخبر أسرع وجهة أهلها قصد خطبتها والزواج بها.هنا يكمن لبّ المشكلة،بحيث جرت الأعراف غالبا على أن يبدي والد الحبيبة رفضه التام،نظرا لانكشاف سر ابنته شعريا،بالتالي تداول الألسن لاسمها. في المقابل،يعقد قرانها ،درءا للفضيحة ومحوا للعار،بأول رجل يتقدم لطلبها.

في خضم هذه المحددات المجتمعية،اختمرت وتبلورت إحدى أكبر وأشهر قصص العشق خلال فترة العصر الأموي،تلك التي نسج خيوطها الرفيعة جميل بن معمر وبثينة بنت خبأ. 

نشأ جميل بن معمر وسط البيئة الحجازية لقبيلة قضاعة أو بني عذرة،اتصف بوسامته وحسن مظهره وطول قامته.شخص عذب القول،جمع بين قرض الشعر وروايته  بحيث كان راويا لهُدية بن خشرم.اعتبره شعراء الغزل إمام المحبين،بل بوأه ابن سلام الجمحي صاحب الطبقات،مكان الريادة في هذا المجال على حساب باقي الشعراء.

ربما،اختزل المقطعان التاليان، نوعية مزاج ونفسية شاعر متيَّم من عيِّنة جميل:

يقولون جاهدْ، ياجميلُ، بغزوة       وأيّ جهاد غيرهن أريد

لكل حديث عندهنَّ بشاشة     وكل قتيل بينهنَّ شهيد

أما عن حيثيات أسباب لقائهما الأول،فقد قصد جميل ذات يوم بإبله واديا:''يقال له بغيض، فاضجع وأرسل إبله.ثم أقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء.فقامت بثينة بتنفير إبل جميل، فسبها وهي إذ ذاك صبية صغيرة،فافترت عليه وسبته فملح إليه سبابها رآه مختلفا، سلس الحروف، عذب المعاني يستحيل في الأذن شدوا ويحل في النفس أهلا وكاد يوشك كلما توقفت أن يسألها المزيد ليزداد طربا. أما بثينة فلم تكن على علم بكل مايختمر في صدر جميل من عواطف، لذلك حسبت سكوته نصرا لها، تتوج به عاصفة الشتم التي أمطرته بها.ولما قفلت عائدة فحزن وأحس بأن الحياة كلها قد أقبلت بإقبالها وأدبرت بإدبارها.وأحبها من يومها وقال في ذلك واصفا بداية حبه لها :

وأول ماقاد المودَّة بيننا       بوادي بغيضٍ يابثين سبابُ

قلت لها قولا فجاءت بمثله   لكل كلام يابثين جواب''(2)

سباب وشتائم،أضحى مفعولها شرارة جمرة حب توقدت وازدادت اشتعالا،ولم ينطفئ وهجها سوى برحيل صاحبيها توجعا وتحسرا،بل صارت عنوانا لقصة غرام متفردة جدا باتت معروفة باسم مَزْجي جميل- بثينة،تعبيرا عن الذوبان الزوجي داخل بوتقة ذات واحدة،من شدة جاذبية الصبابة والهوى.

مقالات سياسية التطعيم : بين شفافية العلم وغوغائية السياسي
2021 - 11 - 13

''إنَّ السَّببَ الأساسي في اضطراب العالم راهنا،هو أنّ الأحمق واثق أكثرَ ممّا ينبغي،والعاقل يكتنفُه الشكّ'' برتراند راسل.

         

للأسف دائما نفوِّت فرصنا مع التاريخ،بحيث نترك سدى صيرورة الأبدي البنّاء لصالح هرج الفولكلوري العابر،نحتفي ببهرجة الزائف على حساب الجوهري،نتماهى مع الفئوي الضيق ضدا على رحابة العام؛الذي يشكل في نهاية المطاف شئنا أم أبينا،الخيط الناظم لسلامة المنظومة المجتمعية،والارتقاء ببقائها محصنة حيال اختراق جلِّ الفيروسات الفتاكة، مهما كان مصدرها،وكيفما جاء تجلي شراستها.

قبل خوض معركة الطوارئ،نتيجة مباغتة ل''اللامتوقع''مما يستلزم في المقام الأول انتقالا نوعيا على مستوى آليات استراتجيات المواجهة،تلزم بداية امتلاك الحياة المجتمعية وجوديا لمرتكزات وروافد مؤسِّسَة غير قابلة بتاتا للمساومة أو التنازل،لأن كل مزايدة بخصوصها سيؤدي لامحالة عاجلا أم آجلا،إلى رجَّة عنيفة تخلخل قاعديا المؤسسة المدنية.بمعنى آخر،إن الثالوث المقدس المتمثل في عناصر :الإنسان/ الحرية/ العدالة.تظل في كل الأحوال،وارتباطا بمختلف السياقات،الإطار الدائم المهيكِلِ لباقي التفاصيل التي ستنطلق حتما من الثالوث وتنتهي بالمطلق عنده.

شخصيا،استخلصت عبرتين منذ بداية سياق كورونا؛غاية صخب ولغط إلزامية التطعيم حسب تأويلات المدبِّر السياسي 

مقالات سياسية وطننا المكلوم : من أفق المهدي بن بركة إلى ضنكِ الجرعات
2021 - 11 - 09

حلت يوم 29أكتوبر،الذكرى السادسة والخمسين لاختطاف وقتل الزعيم الأممي المهدي بن بركة.صارت حاليا،المعطيات الكبرى للجريمة السياسية المقترفة سنة 1965 متداولة منذ عقود؛يكشف عن حيثياتها هذا المصدر أو ذاك، بين الفينة والأخرى،لاسيما وأن طابع السرية عن الملف لم يعد قائما،كما السابق،ولازال الحكي عن واقعة استدراج بن بركة من طرف شرطيين أمام مقهى ''ليب''الباريسي صوب وجهة مجهولة؛مستمرا بكل اللغات العالمية،نظرا لرمزية الرجل الهائلة،خلال فترة الحرب الباردة،وكذا تعدد الأطراف الدولية المتورطة في اغتيال مناضل عالمي،استثنائي بكل المقاييس،ديناميكي جدا،ذكي وشجاع للغاية،امتلك مختلف المقومات التي جعلت منه خلال ظرف وجيز ليس فقط قائدا لليسار المغربي،لكن زعيما كونيا بامتياز،عمل إلى جانب قادة كبار من عيار غيفارا، كاسترو، ماو تسي تونغ، جمال عبد الناصر، تيتو، نيكروما، جواهر لال نهرو، بن بلة على وضع لبنات خريطة جديدة لعالم متحرر،تخلصه من هيمنة تبعية الثنائية القطبية،وتتيح لشعوب العالم الثالث إمكانية تحقيق استقلالها الكلي بالتخلص نهائيا من آثار المنظومة الاستعمارية.

مقالات سياسية أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت"الوباء" ؟
2021 - 10 - 26

من المؤكد حسب اعتقادي الشخصي،بأن أهم درس تاريخي انطوى عليه اختبار كورونا،يكمن حقا باللغة الأمنية الجارية منذئذ في الانتقال إلى استراتجية الطارئ،أي المواكبة الآنية والفورية لاحتياجات المجتمع؛وباللغة الشعرية المجازية من سياق المفعول إلى الفاعل والمبادر،بالتالي القطع مع مرحلة القصور والموت والاستلاب والجمود،صوب أفق الفعل والحياة والمبادرة والإبداع.

فعلا،يقتضي الانتماء إلى المجموعة الإنسانية القادرة على فهم لعبة مايجري خلف كواليس الدوائر الضيقة الكبرى السياسية والاقتصادية،حتمية استيعاب معنى الطارئ بدلالاته المتمدنة المتكاملة؛التي تبدأ وتنتهي في نهاية المطاف عند المفهوم القديم/الجديد، الراهن/المستقبل، الذي لايختلف بشأنه عاقلان،المتمثل أساسا في  بناء مجتمع المواطنة بغية تحقيق مناعة المواطنة المتحضرة،بدل المفهوم البذيء المتداول حاليا بكثير من الخفة والنزق وانعدام التبصر،المتمثل في مابات يعرف ب''مناعة القطيع''لأغراض غير إنسانية قط،بل يشكل مبدئيا نزوعا يقوض جذريا هوية الإنسان.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار