مقالات نقدية إميل حبيبي
2024 - 05 - 19

يعدُّ الكاتب والسياسي إميل حبيبي،واحدا من طليعة أشهر المبدعين الفلسطينيين، الذين ارتقوا إلى مرتبة أبرز رموز الأدب العربي،ابتداء من سبعينيات القرن الماضي،بحيث ترسَّخ اسمه بكيفية جلية حينما أصدر سنة 1974 روايته الشهيرة''الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل''،التي ذاع صيتها بتسمية المتشائل،أي العبارة الأخيرة،من العنوان كنحت اشتقاقي لساني جديد،أبدعه إميل حبيبي،بمزجه كلمتي المتفائل والمتشائم، انسجاما مع كنه روحه الساخرة مثلما تجلَّت بين طيَّات مجموع نصوصه،التي عضَّدتها ربما وقائع الكوميديا السوداء ليوميات الاحتلال الإسرائيلي،وهو الفلسطيني الذي بقي في الأرض،ضمن جغرافية ماعُرِف بشعب الداخل أو فلسطينيي1948؛ولم يغادر قط نحو الخارج.

ترجِمَت الرواية إلى ستة عشر لغة،واحتلت الرتبة السادسة ضمن أهم قائمة مائة رواية عربية.وإن استمرت غاية الآن،بمثابة العنوان الأوفر حظَّا حين ذكر إميل حبيبي، المبدع والمثقف العضوي،فقد أنجز ابن مدينة حيفا،مسقط رأسه،متنا سرديا رصينا تنوَّع بين أجناس الرواية والقصة والمسرح وكذا المقالة السياسية :

 بوابة مندلباوم (1954النورية قدر الدنيا(1962) ،مرثية السلطعون(1967) ،سداسية الأيام الستة(1969)،لكع بن لكع(1980)،إخطية (1985)،خرافية سرايا بنت الغول (1991) ، نحو عالم للأقفاص(1992) ،أمّ الروبابيكا(1992).

ترجمات فيليب سوليرز : رواية ''وسيط روحي''
2024 - 05 - 02

يوم السبت 3 أبريل 2014،تواجد فيليب سوليرز في لوكسمبورغ بدعوة من معهد بيير فيرنر،هكذا انخرط في نسج متواليات خطاب بلا منهجية مقيَّدة،أسفر عن هذا اللقاء الحواري بمناسبة إصدار سوليرز لروايته :''وسيط روحي''.

س-عملكَ المعنون ب''وسيط روحي"،من خلال المعجم الذي استشهدت به،يحيل معنى ذلك على شخص  قادر ضمن سياقات معينة،على نسج علاقات مع الأرواح''.تكشف الرواية عن سارد يشبهكَ كثيرا،ويملك تحديدا هذه السمة.فماالذي يثير اهتمامكَ بهذا الخصوص؟

ج- من المعلوم أنَّ هذه الكلمة تنطوي على تاريخ كبير،لقد استعملت خاصة خلال القرن التاسع عشر.لنتحدَّث عن شاعر كبير مثل فيكتور هيغو الذي امتلك حقَّ أن يحظى بمراسيم جنازة وطنية.فلماذا أضحى شرسا وقلب الطاولات خلال فترة نفيه إلى جيرزي؟ يتعلق الأمر بالسِّحر والتنجيم.لاأوظف قط ذلك المفهوم وفق هذا المعنى،بل أستلهمه حسب تصور شخص يمكنه توقع الظواهر والتنبُّؤ بها،سواء عبر الأشخاص،أو في إطار تواصله مع الزمن الماضي.أن تكون وسيطا روحيا،يعني أساسا القدرة على رؤية المستقبل انطلاقا من الماضي.هنا تكمن أهمية الشخصية الرئيسة في هذا العمل مثلما يجسِّدها القائد سان سيمون(1675 -1755).

س-لماذا هذا الاهتمام ب سان سيمون؟

ج-لأنه حسب تقديري يعتبر أكبر كاتب فرنسي.ومن جهة أخرى فقد كتب خلال لحظة ميَّزها الانهيار الشامل،وقد بدأت إشارات سقوط لويس الرابع عشر. تشغل مذكراته بأجزائها الثمانية حيِّزا داخل مكتبة لابلياد.تخبرنا صفحاتها عن مدى إلمامه الشديد بما يحدث داخل قصر فرساي،الذي شكَّل مركزا للعالم،مملكة صارت فيما بعد وطنا كبيرا لنابليون،الوطن،ثم الوطن الصغير وحاليا بلدية تقع بجانب نهر كوريز،هل أدركت ما أودُّ استنتاجه.إنَّنا بصدد تفكُّك شامل.أرى مفيدا تأمل الوجه المغاير لتاريخ اليوم،تحديدا مثلما رصد سان سيمون معالم تفكُّك المملكة الذي أفضى إلى الثورة.

مقالات سياسية مائتا يوم عن مجزرة غزة : زمن غير الزمان
2024 - 04 - 30

هكذا مرَّت مائتا يوم،على بداية إحدى أشواط المواجهة القديمة/الجديدة؛وكذا الجديدة التي لن تغدو قط قديمة،تتَّسع الفترة الزمنية شهرا بعد شهر،وكأنَّها سرديات تتعلَّق بحكاية فريق سينمائي حطَّ الرحيل لتصوير سيناريو فيلم،فاشتغل خلال تلك المدَّة على تصوير مشاهد تمثيلية حربية أو تستعيد حيثيات كارثة جغرافية مسحت مكانا آهلا سلفا بالبشر ومغمورا بالحياة،وأضحى مجرد أثر بعد عين.

قلت فريقا سينمائيا،كناية عن الحلم،مادمت أتمنى الاستمرار في غفوة نومي تحت وطأة هذا الكابوس اللامتخيَّل حقيقة،حتى لاأكتشف بمجرد الاستيقاظ،بأنَّه معطى للأسف ليس كذلك،بل موصول بجريمة واقعية متكاملة المعالم واضحة الدلائل تتوالى فصولها واقعيا ضمن أبعاد الزمكان الهندسي خلال القرن الواحد والعشرين،تبعا لكل تجارب آليات منظومات الإجرام التي بلغها مدى العقل الشرِّير،وسط عالم يدعى حديثا،في قلب المدينة المعاصرة،ضمن مسار المدنية المتحضِّرة،أمام تبصُّر وبصيرة مختلف مؤسَّسات الحكمة البشرية.

مائتا يوم،شكَّلت ساعاتها إبادة محكمة الصُّنع في حقِّ الفلسطينيين،عفوا اقتلاعا لجذور الإنسان وكنه الإنسانية وماتبقى للإنسان كي يظلَّ سيِّدا على نفسه.رقم جليٌّ في ذاته،ربما بدا خفيفا على اللسان،يجري مجرى اللُّعاب،لأنَّه يبقى رقما في نهاية المطاف مثلما يقال،لكن دلالة المائتين الواردة في هذا السياق ليست قط كذلك،نتيجة إحالتها المباشرة على ماكينة موت شرس لم تتوقَّف أبدا رحاها،وتجسيد للفطرية الحيوانية وفق أبشع مظاهرها،لذلك يعتبر حقا تعداد وحداته،أثقل ثقلا من حمولة صخرة سيزيف.

تراجيديا كبيرة حدثت منذ الثامن أكتوبر،غاية 23 أبريل(نيسان)،اليوم الذي أدركت معه جلسات احتفالات القتل يومها المائتين :  34ألف قتيل و77 ألف مصاب؛أغلبهم من الأطفال والنساء،على وجه التقريب مادامت النسبة غالبا أكثر بكثير.تعطُّل الطاقة الإنتاجية للمنشآت الاقتصادية في غزة؛بحيث ناهزت الأضرار المادية رقميا 30 مليار دولار.انهيار،مصادر الأنشطة الاقتصادية تحديدا مابين بين 90 و95.% تدمير منازل أكثر من مليون شخص، ونزوح 75% من السكان. يحتاج 11 ألف فلسطيني جريح،العلاج خارج القطاع الذي تدمَّر تقريبا.فيما يكابد 10 آلاف آخر آلام السرطان ويكتسحهم الموت كلّ آن.

لاشك،أنَّ مرتكزات الإطار العام لانتعاش أسباب هذه الجريمة،وتمدُّد شرايينها الدموية طيلة مائتي يوم،أمام أعين الإنسانية،نكاية بوجودها،تحقيرا لمختلف معانيها القائمة والممكنة،تنهل بكل أريحية من السَّقطات الكبرى الثلاث،التي ليست بالاكتشاف الجديد بل تعكس فقط مزيدا من تمادي الشرِّ بخصوص إفشاء مكنوناته الدفينة،ثم استفاض أكثر في سبيل الإبانة عن سوء طويَّته،ولم يعد يملك مايخجل منه :تضاعف مبتذل ومكشوف جدا لحربائية أمريكا،ازداد نفاق الغرب الأوروبي خبثا،استفحل السرطان الصهيوني تعفُّنا.

مقالات نقدية طه حسين وسوزان بريسو
2024 - 04 - 19

مجرد ذِكر اسم طه حسين،يختزل جملة وتفصيلا تاريخا بأكمله،قائم الذات،متكامل الهياكل،متماسك الثوابت،صلب المراجع والامتدادات والآفاق الزمكانية،لأنَّه عقل جبَّار كما يعلم الجاهل قبل العارف،شخصية استثنائية بكل ممكنات الدلالات،استطاع أسطوريا تجاوز مختلف العوائق والصعوبات،والمحن والموانع الذاتية و الأسروية والمجتمعية،كي يخلق من وجوده عنوانا كبيرا،للارتقاء صوب أعلى مدارج الكمال،البذل،العطاء،بفضل الإبداع والخلق المعرفيين.

طه حسين،مثلما الشأن مع جلِّ العظماء الذين امتلكوا قدرة كتابة التاريخ من اللاشيء،كي ينتقلوا بالإنسانية ويضعوها ضمن سبيل الارتقاء والرقيِّ،ليست سيرته في غير حاجة إلى إحالة أخرى كيفما تبلورت،قصد اكتمال الهوية سواء الشخصية أو العلمية.

غير أنَّ ميزة اكتمال الذات بالذات،فيما يتعلّقُ بعميد الأدب العربي،أخذت منحى مغايرا،حينما أصدرت السيدة سوزان كريسو كتابا مهمّا للغاية تحت عنوان ''معك''،تأبينا ورثاء مستفيضين لزوجها.

منذئذ،صارت الأدبيات التي تهتمُّ بتراث طه حسين،تطرح في ذات الوقت وبكيفية متزامنة،صنيع زوجته سوزان،ودورها الفعَّال والرائد منذ زواجهما سنة 1915 غاية وفاته يوم 28 أكتوبر 1973،في تشكيل مشارب هذا النموذج النوعي وكذا الخلفيات التي ارتقت بصاحب ''في الشعر الجاهلي'' صوب طليعة روَّاد القرن العشرين.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار