مقالات نقدية المذياع و الجريدة : أولى بواكير وعيي السياسي
2022 - 05 - 12

بدأت معرفتي بمجريات عالم السياسة، وأنا طفل، من الذي اهتدى بي بداية نحو هذا المجال؟حتما، لاأحد غيره سوى  المذياع.

شَكَّل هذا الجهاز السحري والساحر، وسيلتي الأولى لالتقاط الأخبار، لذلك نسجت منذئذ وغاية الآن، ارتباطا روحيا بالمذياع، بحيث لايفارق حضوره شحمة أذني خاصة في المساء على امتداد الليل، رغم كل التطور التكنولوجي الذي بلغ شأنا عظيما؛ لم يكن قط قابلا لمجرد تخيله قبل عقود.استمرت معي هذه العادة، بذات طقوسها وتجليها الأولي، لايمكنني النوم سوى على خشخشة مذياع صغير.

إذن، عاينت أثيريا وأنا في مقتبل العمر المعطيات الأولى للجغرافية السياسية، بفضل ترانزستور كلاسيكي، أكبر من حجم اليد قليلا. سمعت لأول مرة،عن جريمة مذبحة صبرا وشاتيلا، استعادة مصر لصحراء سيناء، يوميات الحرب الطائفية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانيةلم أكن أخذل قط مواعيد نشرات الأخبار، مما أكسبني معلومات سياسية لابأس بها، منحتني التفوق داخل الفصل الدراسي أو خلال جلسات الأسرة أو الأصدقاء، فيما يتعلق بخريطة الأحداث الجارية آنذاك ثم بعض حيثياتها.

ينتابني انتشاء عظيم، حينما ينزع قصدا حديث أستاذ معين (أذكر جيدا مدرِّسي الاجتماعيات واللغة العربية) نحو هذه الوجهة، حينها يظهر تميّزي بشكل مستفيض مقارنة مع باقي زملائي لاسيما المنافسين منهم، يزداد تحمسي وأنا أراقب تفاعل ملامح الأستاذ وهي تنمُّ عن استحسان يتخلله إعجاب ضمني؛ قياسا لثلاث عوامل أساسية :

حداثة سني، ندرة مصادر الحصول على المعلومة، الرعب المهيمن على المرحلة نتيجة تجذر القمع السياسي.إنها، إحدى أوج فترات سياقات المواجهة، بين أجهزة الدولة والقوى السياسية الثورية، أستحضر بالضبط هنا، أجواء الفترة التاريخية المخَضَّبة بجراح شهداء ومعتقلي انتفاضة مراكش لسنة 1984 .

قليلا بعد ذلك، أدركني مفعول عجائبي آخر، لرفيقة نادرة مذهلة لازمنتي صحبتها طيلة عهود دون فراق يذكر حتى عهد قريب، حين فقدت وهجها وجِدَّتها تماما؛ أقصد الجريدة الورقية، رغم أن وجودها عَكَّر باستمرار صفو علاقتي مع أمي، لأني احتجت لقروش بداية الأمر قصد اقتناء الجريدة، ولا خيار أمامي سوى تقطير المبلغ بمعادلة رياضية جهنمية، من بين ثنايا ميزانية هزيلة يلزمني تدبر أمرها وأنا أقتني ما يحتاجه قُوتُنا اليومي.

أول شيء أبادر إليه، وأفكر فيه حين مغادرة المنزل، الذهاب إلى كشك أو أقرب محل لبيع الجرائد.حينها، أستعمل استراتجيه أولى قبل التفكير في اقتنائها.أرمي نظرة خاطفة صوب ملامح صاحب المحل حتى أتبيَّن وأقيس درجات ظرفه من شره، فإذا حدسته شخصا أقرب إلى المنحى الأول، بالتالي لامجال لحدوث مشاكل، أبادر إلى تناول الجريدة بسرعة البرق وتصفحها كي أكتشف بجرة نظرات خاطفة مضمونها، إن صادفته ثريا اقتنيتها دون تردد وإلا فلا داعي، مما يمنحني راحة ضمير داخلية مادمت حافظت بأمانة على عهدة مصروف المنزل.

أحيانا، أصب لعناتي  من أعماق دواخلي بكل اللغات، على مصادر هذا الاكتشاف الذي أحاطني بمتاعب أنا في غنى عنها تثقل كاهلي.أحيانا أخرى، أغدو أسعد خلق الله جميعا، عندما تمر بسلام وأمان عملية اصطحاب الجريد نحو المنزل، بحيث أقضي اليوم بأكمله أقلِّبها يمنة ويسرة ، ألتهم وأطوي صفحاتها بشغف لا أضعها جانبا سوى حينما آتي بنهم لذيذ على مختلف تفاصيلها.

مقالات نقدية جوليا كريستيفا :بعض وقائع حياة استثنائية
2022 - 05 - 07

الرحيل عن الوطن بزاد خمس دولارات :

شهر دجنبر 1965، وقد بلغت جوليا كريستيفا تحديدا سن الرابعة والعشرين، ستغادر بلدها بلغاريا القابع آنذاك في خضم الهواجس العدوانية لأزمة الحرب الباردة، تحت قبضة توتاليتارية بيروقراطية صماء لاإنسانية تماما، واجهتها الخارجية شيوعية بعيدة جملة وتفصيلا عن جوهر البيان الشيوعي، تدبر أمور تأويلاتها فقط أمنيا؛ أجهزة مخابراتية وبوليسية قاسية جدا لاتعرف سوى لغة التعذيب والإخضاع وقهر الأفراد.

ولدت وترعرعت في مدينة سيلفن، الواقعة جنوب شرق بلغاريا قرب البلقان، تحت كنف أبٍ راهبٍ رافض سرَّا لديماغوجية تلك التصورات ''المثالية'' التي تؤدلجها زيفا مركزية الحزب الشيوعي، لذلك حرص أيَّما حرص رفقة زوجته، على توجيه ابنتيه الوحيدتين جوليا وأختها إيفانكا نحو آفاق مغايرة لمرتكزات المنظومة المجتمعية المسيطرة، بحيث وجههما نحو دراسة اللغات الأجنبية وكذا الانفتاح دون تحفظ على نصوص الفلسفة العالمية.

نزوع من هذا القبيل،قادها نحو نصوص البنيوية الفرنسية،نظرية الأدب عند موريس بلانشو ورولان بارت،ثم أدمنت على قراءة أعمال كامو وسارتر وكذا الروائيين الجدد.مرجعيات أمدَّتها بممكنات التفوق على باقي المُرَشَّحين الراغبين في الحصول على تأشيرة اللحاق بفضاءات جامعات فرنسا الجنرال ديغول، التي خصصت منحا لشباب بلدان شرق أوروبا، تسمح لهم بمواصلة الدراسة في فرنسا.

بعد نيل كريستيفا شهادة الليسانس في اللغة الفرنسية، بموضوع تناول الرواية الجديدة، جاءت المقابلة العلمية مع الملحق الثقافي للسفارة الفرنسية في صوفيا.الأخير، اندهش كثيرا، مثلما تخبرنا صفحات سيرتها الذاتية، نظرا لسعة اطلاع الشابة البلغارية على أدب نهاية القرن التاسع عشر وكذا تيارات القرن العشرين.لذلك، حصلت بسرعة على التأشيرة، لأنها تركت انطباعا جيدا لدى الملحق الثقافي.

غادرت بلغاريا نحو عاصمة الأنوار بمبلغ مالي لايتجاوز خمس دولارات،ولم تتسلم المنحة الدراسية سوى شهر يناير 1966 . 

*مسار جامعي لامع :  

اختارت كريستيفا الانتماء إلى المدرسة التطبيقية للدراسات العليا(EPHE) تحت إدارة لوسيان غولدمان.ثم، الانكباب على أطروحة انصب موضوعها على أصول الرواية الجديدة (ناتالي ساروت، ميشيل بوتور، آلا نروب غرييه) ستناقشها خلال أجواء ثورة غضب ماي 1968 . بحث لبلوغ استحقاق درجة دكتوراه السلك الثالث، استعادت كريستيفا من خلاله وثيقة أدبية تعود إلى القرن الخامس عشر،أقصد تحديدا رواية أنطوان دو لاسال (1385- 1461:''Petit Jehan de Saintré '' .

غولدمان المؤطِّر لفصول وأقسام هذا العمل، مهاجر بدوره من رومانيا، اقتحمت أوراشه نص بليز باسكال وأعاد قراءة هيغل على ضوء جورج لوكاتش الفيلسوف الهنغاري مجدِّد الماركسية، وجراء طبيعة مشروعه اعتبرته كريستيفا الأقرب إلى مجال تكوينها. 

أما شهادة دكتوراه الدولة، فقد انصب موضوعها على ثورة "اللغة الشعرية :طليعة نهاية القرن التاسع عشر مالارميه ولوتريامون''. تحت إشراف الأستاذ جون كلود شوفاليي. ناقشتها سنة 1973 داخل فضاء جامعة باريس/فانسان،أمام لجنة تألفت من رولان بارت، جان دوبوا، لوسيان فيبر. عتبة معرفية نوعية، انتقلت من خلالها كريستيفا إلى مجال السيميولوجيا 

بعد هذه المرحلة، غادرت المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والتحوُّل إلى مجال الأستاذية في قسم علم النصوص والوثائق ثم الجامعة الجديدة باريس7 /ديدرو، ثم أستاذة زائرة بجامعة كولومبيا في نيويورك.

أخبار سعيد بوخليط :إصدار كتاب غراميات ألبير كامو ورسائل حميمية أخرى مراسلة : مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع محافظة بابل – العراق
2022 - 04 - 22

ٍ

صدر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع (العراق)، كتاب جديد للباحث سعيد بوخليط ، تحت عنوانه : غراميات ألبير كامو ورسائل حميمية أخرى.

ركزت نصوص هذا الورش المتنوع على موضوع الحب والعشق والشغف وكذا حسّ تداعيات مختلف المشاعر الباطنية الخاصة،فألهبت حواس وأحاسيس مجموعة كتَّاب عالميين كبار، وألزمتهم بتخصيص ساعات من يومياتهم قصد الانكباب على تدبيج مراسلات عديدة لسنوات طويلة، ورسائل في غاية الخصوصية؛إما بكيفية متواصلة أو متواترة أو متقطعة، حسب الظروف الشخصية التي يمرّ منها هذا الكاتب أو ذاك.

مقالات نقدية سيمون دوبوفوار/ نيلسون ألغرين: عشق سرِّي، عابر للقارات
2022 - 04 - 19

سنة 1997، اهتزَّ الوسط الثقافي الفرنسي، على حدث استثنائي وغير عادي تماما، قياسا طبعا للتصنيفات الجاهزة والترتيبات القائمة المتكرِّسة مؤسساتيا طيلة عقود. لأن الأمر يمس جانبا خاصا جدا، بقي متواريا كثيرا على الأقل بالنسبة للرأي العام، بخصوص جوانب خفية من حياة سيمون دو بوفوار، وما أدراك ما رمزية ''كاستور'' أو''القندس''؟(1).باعتبارها واحدة ضمن حلقات الأسماء الكبيرة التي أثرت وأغنت  تاريخ فرنسا فكريا،ليس فقط خلال القرن العشرين؛بل على امتداد مختلف العصور.

يتمثل الحدث المقصود أساسا،في إصدار دار النشر غاليمار العريقة، لرسائل حميمية، ساخنة شوقا وعشقا وشبقا ولذة، تبادلتها رفيقة جان بول سارتر مع الروائي الأمريكي نيلسون ألغرين خلال سنوات (1947 - 1964).

حزمة رسائل، قاربت ثلاثمائة وأربعة رسالة، شملت فترة امتدت إلى سبعة عشر سنة، كشفت بالمطلق عن وجه ثان مغاير كليا ومختلف جذريا، عن الصورة النمطية العالقة بذكرى الرائدة الأولى للحركات النسائية الحديثة والمعاصرة.حزمة رسائل، انكبت على ترجمتها إلى الفرنسية وتدقيقها ووضع هوامش لها، ابنة بوفوار بالتبني ''سيلفي لو بون دو بوفوار''، أستاذة الفلسفة التي اشتغلت أيضا على الرسائل التي تبادلتها والدتها مع سارتر.

أوضحت لوبون السياق العام، وكذا محددات مشروع اشتغالها على مضامين رسائل إلى نيلسون ألغرين،غرام عابر للمحيط الأطلسي، بقولها :''خلال عروض للمزاد العلني، سبق لجامعة كولومبوس أوهايو، أن اشترت حقوق رسائل سيمون دو بوفوار التي دبَّجتها باللغة الانجليزية إلى نيلسون ألغرين، في حين احتفظت بوفوار بالمراسلات الأخرى الحاملة لتوقيعات الكاتب الأمريكي ألغرين. لقد حددتُ بهذا الخصوص تصورا يتعلق بمشروع للنشر يأخذ بعدا مزدوجا ،لكن وقع التراجع عنه لأسباب سأقولها، بحيث لن يكون تحت تصرف القراء هنا،سوى ماكتبته سيمون دو بوفوار إلى ألغرين بين سنوات (1947- 1964) (ثلاثمائة وأربعة رسالة).ضدا على مختلف التطلعات، وبعد صمت طويل الأمد – طيلة سنة تقريبا- أنهى وكلاء نيلسون ألغرين الأمريكيين أملنا بإصدارهم اعتراض على طلباتنا المتكررة وتأكيدهم لرفض دون استئناف. رفض الكشف عن رسائل ألغرين، دون تفسير ولاتبرير.طبعا، وجب الامتثال لهذا القرار الجائر. للأسف،لاسيما بالنسبة لألغرين، سيقدم إصدار من هذا القبيل خدمة وافرة، لأن الشخص كما الشأن مع الكاتب،على امتداد سبعة عشر سنة من المراسلات الحميمة غير مسبوقة في حياته، مستضيئا بضوء غير مترقب، ودافئ، سيبدو ربما أكثر مماثلة لحقيقته، ترمِّم بشكل أفضل غموض شخصيته مقارنة مع بعض أعماله الروائية أو سيرة ذاتية عادية''(2).

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار