مقالات نقدية حفّار القبور
2026 - 07 - 16

عبّاس أو العبسي مثلما جرى تداول لقبه على لسان الأصدقاء، حفّار قبور من نوع خاص صادفتُه خلال حقبة من حياتي، ولم يسبق أن اقتربت قبل معرفتي به من عالم حفّاري القبور، أو جمعتني صداقة أو قرابة بشكل من الأشكال مع أشخاص يمتهنون هذه الحرفة.

كنت أعاين عن قرب مايفعلونه لحظات تواجدي داخل مقبرة حين مواكبة مراسيم دفن ميّت. ألاحظ كيفية ولوجهم وسط القبور وتحديدهم نوعية أبنيتها بملامح عادية وباردة دون تغيّر يذكر أثناء إغلاقهم فجوات القبور ومواراة الأموات الثرى، مع أنّها لحظة مهيبة للغاية بل أحيانا يتجادلون فيما بينهم بكيفية أقرب إلى الشِّجار بخصوص التّوافق على ألفبائيات العملية.

كيف يتمثّل هؤلاء الموت باعتبارها مصدر عيشهم؟ كلّما ارتفع عدد أموات اليوم الواحد، زاد دخلهم، بالتّالي لم تعد مصيبة بل مهنة مربحة في المقابل تبعث الحياة. انتمى العبسي إلى هذه الجماعة مجسِّدا بامتياز شتّى تناقضاتها مع بصمته الخاصّة، فترة سياق معرفته به أوائل التّسعينيات.

حفّار قبور غير عادي، شخصية مركَّبة، امتلك قدرة غير عادية على توظيف تناقضاته الذّاتية بهدف استثمار مختلف فرص اليومي لصالحه وعلى طريقته، ممّا جعله يرتقي من مجرّد صبيّ يكابد مختلف أنواع الفاقة والعوز، هاجر رفقة أسرته من الضّواحي إلى مراكش، ثمّ غادر فصول الدّراسة بعد فترة قصيرة، مستسلما إلى أحضان الشّارع كي يمارس أيّ شيء يدرّ دريهمات.

مقالات نقدية تأمّلات اللّمبة والمصباح الكهربائيّ
2026 - 07 - 10

يؤكّد غاستون باشلار باعتباره حالم كلمات بامتياز حقّا، أنّ الأسلاف تلفّظوا كلمة مصباح بكيفية تختلف عمّا تفعله وتبديه شفاه اليوم، ويسرد مثال لفظة لَمْبة التي صارت راهنا تثير الضّحك نتيجة افتقادها تلك الألفة التي منحت الأشياء طيلة أزمنة الماضي صفة التملّك: ''من بوسعه اليوم القول: مصباحي الكهربائيّ مثلما كان يقال فيما مضى: لُمْبَتي؟ آه! كيف بوسعنا الحلم أكثر، في خضمّ انحدار نعوت المِلْكِيَة، نعوت تخبرنا بكيفية قويّة عن رفقة نسجنا خيوطها مع أشيائنا؟ ''(1).

افتقد المصباح الكهربائيّ بشكل عام ينبوع تأمّلات شاردة أثارها دائما الجلوس أمام لَمْبة متوقّدة تبعث شعلة ضوء بفضل الزّيت، فالفعل الميكانيكيّ الجديد الذي يحدث الضّوء بواسطة فعل آليّ يقتصر على تدوير مفتاح، أضاع ذلك الكبرياء المشروع كفاعل لفعل أضاء. نقرة صغيرة تحدث تغيّرات معكوسة من فضاء أسود الى آخر مضيئ؛ واللّعب بكيفية لانهائية لعبتي نعم ولا. استساغة المعطى الميكانيكيّ تجعل الظّاهراتي يخسر زخم فعله، تتلاشى كثافة شعرية اللّحظة التي انطوت على أثر جليّ حينما كان المصباح إنسانيا جدّا.

مقالات نقدية احتفالات نسائية
2026 - 06 - 28

قبل استفحال سلبيات منظومة التّواصل في صيغتها الرّقمية التي قوّضت جذريا قيما ومبادئ ترعرع في إطارها جيل الزّمان الكلاسيكي، تميّزت العلاقات المجتمعية داخل أحياء المدن العتيقة بلقاءات محض إنسانية، تنوّعت بين العملي الموضوعي وكذا جلسات الودّ الحميمة التي شكّلت آنذاك دون رصد ولاترصّد، لقاءات عفوية مضامينها البوح والكشف والمناجاة وتقاسم صادق لمكنونات الدّواخل، أقرب في لغتنا الحالية إلى جلسات الطبّ النّفسي.

*مقاهي العشايا :

مكانها المنازل، بحيث اعتادت النّساء آنذاك على خلق فجوات استجمام بعد صباح طويل يبدأ غالبا مع أولى ساعات الفجر والشّروع في تحضير الوجبات والقيام بالواجبات التي تقتضيها يوميات البيوت، في خضمّ هيمنة نموذج اجتماعي قبل التغيّرات المعاصرة عماده الأسرة البطريركية الكبيرة تحت قيادة ثنائي الجدّ والجدّة، مما جعل عدد أفراد العائلات غالبا رفيعا يقتضي في المقابل مهامّا لايستهان بها؛ تستغرق وقتا طويلا من عجين وطبخ وتنظيف. أذكر مثلا، بعض عائلات درب حيّنا الثّمانينيات التي كانت تهيّئ يوميا موائد الخبز بكلّ تفاصيله الغذائية المطلوبة.

مقالات نقدية الصّحراوي عامل الحمّام أو ''الكسّال''
2026 - 06 - 13

عرف الصّحراوي عامل الحمّام أو ''الكسّال'' بمثابرته وجدّيته وشغفه اللاّمتناهي بمهنته. ينحدر من منطقة زاكورة، فكان صورة أمينة تماما لمميّزات سلالة المنطقة الصّحراوية، قبل تسيّد جنون ثورة التّهجين الفظيعة النّاجمة عن سلبيات العولمة وفوضاها العارمة ضمن توتاليتارية النّمط والتّنميط بكيفية مطلقة، حيث اختلط عبثا كلّ شيء بأيّ شيء؛ مع نضوب المنبع الأصلي للمجرى المائي.

تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار