مقالات نقدية رفقة الموت
2023 - 01 - 27

يسكنني أو تسكنني الموت بكيفية حيَّة تماما؛إنها حالة وجودية ملحة.لايكف مصير هذا السؤال عن خلخلة مجمل كياني. بالتالي، لا أطمئن قط إلى عطاء سكينة أو إرساء معين. يشغلني هاجس الطارئ و اللا متوقع بزخم .تكتنفني مشاعر مضطربة ومتداخلة، أساسها أن أكون ذاتي تبعا لمختلف جغرافياتها، فلا أستبعد أيّ احتمال من احتمالاتها؛ والموت إحداها، إن لم تكن الحصيلة النهائية الجامعة لشتات ما ضاع.

أجلس في محطة رحلة الحياة. أقبع مترقِّبا النَّازلة. أترقب صامتا وأنتظر متأمِّلا.ألتفت يمنة ويسرة، بعد كل شيء سأمتطي القطار وحيدا.أحببت دائما ترديد عبارة قرأتها منذ زمان في مكان ما: نولد، نتقنَّع، نعبث ثم نموت.  أحاول استكشاف القادم البعيد /القريب، القريب/ الأقرب، أقرب مني إليّ، ومن ذاتي حيال خباياها.

لاأعلم عن الموت حقيقة أخرى، سوى أنها أسّ جوهري وقوام كياني، أوجد من أجل الموت، والأخير غاية حياتي، يظل فقط السؤال عالقا بخصوص كيف؟ متى؟ أين؟ بمعنى سؤالي الزمان والمكان. إذا تخلينا في هذا الإطار عن مرجعيات ميتافيزيقا الوحدة، سيظهر بكيفية ما، أن مصير الموت كالحياة، بل هما مساران للسياق نفسه، يتوقف معناه وزمانه ومكانه على مستوى حضور الذات واشتغالها العميق على ممكنات المابعدي.

شغلني دائما سؤال الرحيل، وعبثية الوجود، منذ أولى سنوات مجيئي إلى هذا العالم، نتيجة ربما  اختباري ثلاثة مشاهد، توطدت تفاصيلها داخلي وأستعيد دقائق تفاصيلها بكل وعي، بل عن ظهر قلب؛ مثلما يقول الرواة 

ترجمات رولان بارت : تفاصيل حادثة دهسه وموته
2023 - 01 - 20

مات رولان بارت، يوم 26 مارس 1980 . بجانب المضاعفات الرئوية التي انبعثت ثانية جراء الحادثة، أصابت بارت عدوى ترتبط بالمستشفى، يلتقطها المريض عادة داخل تلك الأمكنة وقد تصبح قاتلة. ربما ،شكلت السبب المباشر لوفاته. نجتر في أغلب الأحيان حديثا مفاده ، أنه مات جراء حادثة دهسه من طرف شاحنة تابعة لمحل صباغة قادمة من مدينة مونروج، وسط ممر لعبور المارة في شارع المدارس.

صحيح أيضا يوم 25 فبراير،عاد من لقاء حول مائدة وجبة غذاء أشرف عليه جاك لانغ يندرج أو ليس الأمر كذلك، في إطار التحضير للاستحقاق الرئاسي المقبل، في غضون سنة تقريبا، بحيث تطلع جاك لانغ الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للثقافة الفرنسية، نحو إحاطة  فرانسوا ميتران بمثقفين وفنانين معتَبَرين، أو أنَّ ميتران يحب هذه الأجواء فراهن على لانغ كي يواصل تنظيم  لقاءات من هذا النوع.

تشير الساعة بالضبط إلى الرابعة زوالا، يطوي بارت سيرا على الأقدام شارع "المعاطف البيضاء ''، عن طريق جسر''نوتْرْ- دامْ'' ، يسلك شارع "القديسة جنفييف" ثم بلغ الآن شارع المدارس، ليس بعيدا عن زاوية ''شارع مونج''. يواصل تقدمه على الرصيف الأيمن، تقريبا غاية متجر''المخيَّم القديم، لوازم الرحلات''. يتأهب للعبور كي يبلغ ممر الجهة اليسرى. وجهته الأساسية ، كوليج دو فرانس، ليس بهدف تقديم درس، بل معاينة التفاصيل التقنية و اللوجيستيكية لمحاضرته المقبلة، التي سيتحدث في إطارها عن موضوعي "مارسيل بروست'' و''التصوير''، بحيث يحتاج في سبيل ذلك إلى جهاز عرض ضوئي. 

تقف عند الرصيف سيارة تحمل لوحة مسجَّلة في بلجيكا، مما أثَّر على وضوح الرؤية بالنسبة إلى بارت، يتقدم مع ذلك، ثم وقعت الحادثة. لم تكن الشاحنة مسرعة جدا،غير  أن الاصطدام بدا عنيفا جدا. ارتمى بارت أرضا فاقدا للإدراك. توقفت الشاحنة، اضطربت حركة المرور،حضرت فورا إلى عين المكان فِرق الإسعاف، الشرطة (يوجد مخفر في شارع موبير). لاورقة تثبت هوية المصاب، فقط بطاقة تحيل على كوليج دو فرانس. يلزم الاستفسار عن أمره بكيفية مباشرة. أقر أحدهم بأن الأمر يتعلق تحديدا برولان بارت (قبل ذلك أكدت آراء بأن الشخص الملقى على الأرض هو ميشيل فوكو، بينما رجحت شهادات أخرى هوية روبير موزي، أستاذ في جامعة السوربون وصديق قريب من رولان بارت). أُخبر أخوه ميشيل سالزيدو وكذا أصدقاؤه يوسف باكوش وجون لوي بوت. أسرع الثلاثة صوب مستشفى ''بيتي سالبيترير'' حيث نقل رولان بارت، الذي تعرض لمجموعة من الكسور لكنه متيّقظ.عدة تصدعات،ظاهريا غير ذات خطورة، مما جعلهم يغادرون المستشفى مطمئنين إلى حد ما.

 خلال صبيحة يوم الحادثة، كان بارت في حالة تأهب استعدادا لتلبية دعوة الغذاء التي وجهت إليه. مثلما دأب دائما، ينزوي كل صباح داخل مكتبه للاشتغال ، وسينكب هذه المرة على تدبيج مضمون محاضرة يتطلع إلى إلقائها في مدينة ميلانو بمناسبة ندوة ستجري وقائعها خلال الأسبوع الموالي. ستتطرق مداخلته إلى ''ستاندال وإيطاليا''، فاختار لها كعنوان :"نخفق دائما في الحديث عن مانحبه''. يقترن هذا التأمل بالدرس الذي أنهاه قبل ذلك في كوليج دو فرانس حول موضوع''تحضير الرواية''مادام قد تطرق بشكل عابر، لدى ستاندال إلى المذكِّرة اليومية في الرواية. بينما أبان الأخير عن عجزه بخصوص التعبير عن عشقه لإيطاليا من خلال اليوميات، ثم استطاع في المقابل الإفصاح عن ذلك عبر صفحات روايته :''دير بارما''. يقول بارت :''الذي حدث بين يوميات السفر وكذا روايته''دير بارما''،يكمن في الكتابة.مامعنى الكتابة؟ إنها قوة، ثمرة محتملة لاستهلال طويل، تخلَّص من الجمود العقيم للمتخيَّل العاشق ثم أضفى على مغامرته عمومية رمزية''(1).لقد رَقَن على الآلة الكاتبة الصفحة الأولى وبداية الثانية. ثم يستعد للخروج، ولايعرف حقا سبب استجابته لدعوة الغذاء تلك.

اهتماماته بالعلامات وكذا مختلف تجليات العالم، أتاح له خلال فترة سابقة تحديدا شهر دجنبر 1976، المشاركة في لقاء غذاء من هذا النوع مع فاليري جيسكار ديستان، في ضيافة عائلة إدغار ولوسي فور Faure، بهذا الخصوص انتقده بعض أصحابه، الذين رأوا في خطوته تلك ولاء لليمين. بينما، يوحي تعاطفه الخاص وكذا مايضمره محيطه بأن مشاركته طبيعية أكثر، مقابل ذلك اعترف إلى فيليب ريبيرول السفير الفرنسي في تونس، بإحساس مفاده تورطه رغما عنه في حملة ميتران.

مقالات نقدية غاستون باشلار : النَّفس الشعري، الصمت، الصورة الأدبية.
2023 - 01 - 19

استند التأويل الشعري عند غاستون باشلار بخصوص مقاربته للقصيدة، وفق تصور أولاني وأصيل أراده بهذا الخصوص، على استشراف معادلات من صنف الارتجاجات اللغوية التالية؛حتى لاأقول البيانات، لأنَّ باشلار رفض دائما استدعاء الإحالات البيروقراطية لهذه الكلمة:

                                        (1)

لاتوجد قصيدة سابقة عن المفعول الخلاَّق للفعل الشعري، مثلما لا تكمن حقيقة قبلية عن الصورة الأدبية.  يتكلم الخيال داخلنا، تتكلم أحلامنا وأفكارنا .يرغب كل نشاط إنساني، في التكلم. حينما يعي الكلام بذاته، يسعى النشاط الإنساني حينئذ إلى الكتابة، بمعنى تنظيم الأحلام والأفكار.

(2)                                    

تمثِّل القصيدة ظاهرة أولى للصمت.تبقي الصمت المنتبِه، حيَّا، بين طيات الصور. تتأسس القصيدة ضمن سياق زمن صامت، لاشيء يثقل عليه، يخضعه أو يأمره؛ لأنه زمن حريتنا. تنمو جيولوجية الصمت، حين البحث عن فكر مختبئ تحت الترسبات التعبيرية.يجدر حين توخي دراسة اندماج الصمت في القصيدة، ضرورة استيعاب أن مبدأ الصمت في القصيدة، يجسِّد فكرا مضمرا ومتواريا.

(3)                               

يمثِّل النَّفَس الشعري قبل كونه مجازا،حقيقة بوسعنا العثور عليها في حياة القصيدة هكذا على الأقل، حال القصائد التي تتنفُّس جيدا، وتعكس خطاطات ديناميكية جميلة عن التنفُّسِ. 

(4)                         

توقظ القصيدة الحقيقية رغبة غير قابلة للكبح، كي تُقرأ ثانية، تبث لدينا انطباعا مفاده أن القراءة الثانية، ستقول بصددها أكثر من نظيرتها الأولى، وبأنها أيضامع اختلاف كبير عن قراءة عقلانيةتعتبر أكثر تؤَدَة من الأولى، لأنها متأمِلة.لن نتوقف أبدا في إطارها عن الحلم بالقصيدة، ولاقطعا التوقف عن التفكير فيها. أحيانا يأتي مقطع شعري كبير، يغمره حزن أو فكر ما، يهمسه القارئ  القارئ المنعزل- : لن يكون هذا اليوم كما البارحة.

(5)                         

حينما نكتب، نتأمل، يبرز إلى السطح تعدد أصوات، باعتباره صدى خلاصة .امتلكت باستمرار،القصيدة الحقيقية، طبقات متعددة.  

 لايمكِّن الإصغاء أبدا من الحلم بالصور في العمق.هكذا،اعتقد باشلار دائما بأنَّ قارئا متواضعا يتذوق على نحو أفضل القصائد بإعادة كتابتها بدل إنشادها.تتجاوز القصيدة المكتوبة كل إنشاد.

                         (6)

القصيدة موضوع زماني جميل يخلق مقياسه الخاص.كمْ يتجلى بؤس الوقت الجاري، لقاء الأزمنة التي تبدعها القصائد!

(7)                        

لاتعبِّر القصيدة،عن شيء يظل بالنسبة إليها غريبا، حتى الجانب التعليمي الشعري الخالص، الذي يوضح القصيدة، يعجز عن تقديم وظيفة الشعر الحقيقية.

أخبار رثاء خاتمة كِتَاب
2023 - 01 - 17

انتهيت مؤخرا من ترجمة إحدى كتب غاستون باشلار الشعرية، التي اهتمت أطروحاتها بالخيال الإنساني في علاقته بالعناصر الكونية الأربعة، الماء، الأرض، الهواء، والنار.

استغرق الاشتغال على الانتقال بمضامين هذا العمل إلى اللغة العربية، قرابة ثلاث سنوات. بداية، كنت متهاونا شيئا ما بخصوص الانكباب الجدي،أنجز صفحات ثم أغلق،  ليس كسلا ولا تلكأ أو غيابا للشغف أو الرغبة،على العكس من ذلك، يعود أصل السبب إلى أنِّي وضعت ورش هذا الكتاب إلى جانب أخرى،بحيث أعود إليه خلال فترات زمانية متقاربة.

بيد أنه خلال لحظة معينة، هزتني رَجَّة داخلية عفوية، فقررت ذات يوم وضع كل المساعي المعرفية جانبا بين طيات  دولاب منسي؛ غاية إشعار آخر، ثم الاهتمام فقط  بكتاب باشلار الجميل، المدهش، المختلف، والمبدع،على منوال باقي نتاجه المرتبط برافد النقد الأدبي وشعرية الخيال، مثلما اطلعت عليه طيلة سنوات، مقارنة مع باقي التأويلات النقدية الجامعية وكذا المؤسساتية.

السيرة الذاتية
تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار