مقالات نقدية المترجِم أمام غموض النص
2024 - 07 - 15

يُعتقد عموما بوجود خُطَّتين لدى المترجِم،فيما يتعلق بتسيُّده على النصِّ الماثل لتمرين الترجمة:

*إمّا يشتغل على البناء المعجمي،من خلال الاهتمام بترجمة الكلمات في المقام الأول ثم صياغة الجمل ثانيا بناء على ضوابط  الدلالات الحرفية خَطِّيا،لكن مع حفاظه على نفس البناء التركيبي للنص المتوخى ترجمته دون تغيير.المؤاخذة التي توجَّه إلى هذه الآلية، أنَّها فقط تسقط صاحبها ضمن صرامة العلاقات الأفقية بين العلامات تفقد معها الدلالة رحابتها،لذلك يقال بأنَّ أغلب الترجمات السيِّئة غير المقروءة،تندرج ضمن هذا النوع من المقاربات.  

*بينما يدعو التصوُّر الثاني،إلى خُطَّة منهجية مغايرة للسابقة،تكمن في ضرورة قراءة المترجِمِ فقرة مثلا قراءة محيطة بنيويا وتركيبيا،ثم يغلق دِفَّتَي المقروء ويعيد صياغة ماقرأه على طريقته الخاصة.بدورها،هي وجهة نظر عرفت انتقادات قوامها حتمية إفضاء  تحرُّر بهذه الكيفية،وجهة تحوير كبير للمعنى،وانسلاخ غير مضمون للعواقب حيال المساحة المسموح بها للمترجِمِ.

حقيقة،بناء على تجربتي المتواضعة،أعتقد بأنَّ المنهجية المثلى أو على الأقل مثلما يفترض،من تحاول الموازنة اللغوية بين الانضباط التركيبي نحو مكونات الجملة الأصلية،في ظلِّ مرونة دلالية وتداولية غير خجولة أو مندفعة،فقط الاستعانة بتجربة بسيطة تتمثَّل في أن يعيد المترجِمُ تلاوتها بصوت مرتفع وقد أغمض عينيه على طريقة طقوس اليوغا،ويضع ذاته إبَّانها موضع القارئ المحتمل،كي يستعيد على وقع ارتدادات صمت مغنطيسي مدى انعكاس الوضوح والتجلِّي.

نعم،تقتضي الترجمة خلال مراحلها نمطين من القراءة،صامتة بداية بغية اقتحام النص واستيعاب خباياه،بعدها يلزم المترجِم اختبار ممكنات تداول المعنى لدى القرَّاء، بمحاولة قراءة ماكتبه جهرا،كأنَّه بصدد التمرُّس على إلقاء خطاب رسمي أو الاستعداد لبروفة مشاهد مسرحية.يبدو للوهلة إجراء مضحكا،لكنه بعد كل شيء يؤتي أكله حين قراءة النصِّ بصوت مرتفع،يوضِّحُ مستويات انكشاف المعاني عند السطح وقابلية تقاسمها مع القرَّاء.

أخبار ما التحديات الأخلاقية للترجمة؟
2024 - 07 - 14

بالتأكيد،أشهر تحدٍّ ارتبط بالترجمة والمترجِمِ،أداء الأمانة غاية منتهاها،كأنَّه حمل ثقيل على أكتافه وكاهله.الترجمة،مسؤولية وازنة تقتضي تعاملا دقيقا مع الموقف.سفر نحو وطن جديد،يقتضي منذ البداية التفاعل الجادّ مع الموقف،وإحساسا بالتقدير والاحترام واستحضارا لمعطيات الخصوصية؛ضمن جدلية الوحدة والتعدُّد،وأكثر من هذا وذاك،التهيُّب الممزوج بالخوف،مادام المترجِمُ يكتشف نفسه مع كل ترجمة جديدة عند أولى خطوات مغامرة غير معلومة أو مضمونة يعتبر وحده مسؤولا على توضيب مختلف حيثياتها.

هناك المثل الايطالي الشهير،الجاري تقريبا على ألسن الجميع،المرسِّخ لقاعدة''المترجِمُ خائن''والترجمة مبدئيا خيانة،بمعنى يكمن إقرار ضمني لايمكن التخلُّص من تبعاته،مفاده أنَّ المترجِمَ مهما بلغت دقَّته وكذا مستويات حرصه على الإحاطة بالمعنى المقصود من طرف صاحبه،لكنه غالبا مايظلُّ قاصرا بكيفية أو أخرى،عند هذا المنحى أو ذاك،بخصوص هذا المعطى أو ذاك،يستحيل عليه مهما بلغت قوَّة تأويلاته بين طيات سلاسة مضمونه،مجاراة دلالات اللغة المصدر.

طبعا،وجب استحضار بعدين أساسيين،أثناء مصادفة هذا الحكم. يتمثَّل الأول،في اختلاف منظور السجال وطبيعة التصوُّر،حسب طبيعة النصوص ودرجات غموضها وتعقيدها.بينما يحيل البعد الثاني،على الجانب المجازي لوصل الترجمة بالخيانة،من ثمَّة، تعدُّد تأويلاته بنفس قدر غزارة ممكنات العلامات اللغوية وفيضها اللانهائي،وانطواء كل تواصل على عتمة يشغلها الالتباس حتما وبالمطلق.

بناء عليه،ينتقل المبدأ الايطالي،بخصوص النظر إلى ترجمة المترجِمِ،من قاعدة معيارية ذات منحى أخلاقي وعقائدي،ربما منطوقها يثبِّط العزائم ويضعف الهمم من الوهلة الأولى،إلى إجراء منهجي يأخذ مقاسات إبستمولوجية مُهَيْكِلَة حسب المقتضيات النصيَّة الموصولة بالسياق.

ترجمات فيليب سوليرز : نجاحات و إخفاقات الطليعة
2024 - 07 - 13

دأب فيليب سوليرز،بوتيرة منتظمة،طيلة ستين عاما،من خلال عدَّة حوارات ،على استحضار تاريخ وكذا استراتجية المجلَّتين اللَّتين أشرف عليهما،أقصد "تيل كيل'' و''اللانهائي".يعود تاريخ هذا الحوار إلى ربيع 2019،أربع سنوات قبل موته،أجراه معه الفيلسوف مهدي بلحاج قاسم،صدر ضمن موضوعات العدد المزدوج 7/6،وانصبَّ النقاش على''تشريح أطياف وأشباح الطليعة التاريخية،متسائلا عن نجاحاتها وكذا إخفاقاتها''.

تاريخ الطليعة،أو الطلائع بصيغة الجمع مثلما فعل غودار مع تواريخ السينما،بحيث حاولت مجلة ''بالصدفة''خلال مناسبات متواترة إعادة طرح المفهوم.

 اختتم سوليرز الحوار الحالي،بنفس مقولة عنوان لقاء  صدر سنة 1978 بين صفحات ''ارتجال''،مستشهدا بأرثر رامبو :''الانتقاء.نعيش حقبة فرز.على أيَّة حال،الساعة الجديدة،صعبة للغاية.هي الفرز"

س-أشرفتَ السيد فيليب سوليرز،على مجلة تيل كيل لمدة ثلاث وعشرين سنة،وقد اعتُبرت بالتأكيد أهمَّ مجلة أدبية ''طليعية''،أصدرتْ لبعض كبار كتَّاب النخبة خلال فترتهم،مثل بيير غيوتا،موريس روش،جان جاك شوهل،وأنت بجانب جامعيين آخرين لم يكونوا معروفين كما الشأن مع جاك ديريدا، رولان بارت، و جيرار جينيت. نشرت أيضا كتابات لبيير بوليز،جان لوك غودار،والذين جَسَّدوا صحبة هؤلاء الكتَّاب والمفكرين ،رموز واجهة النخبة على مستوى مجالات كل واحد.سنة 1983،غادرتَ منشورات سوي،حيث صدرت المجلة ومؤلفاتكَ لدى مكتبة غاليمار،كي تبادر إلى تأسيس مجلة ''اللانهائي''التي اختلف عنوانها عن ''تيل كيل''.انعكس هذا الانتقال على مساركَ الأدبي عبر التحوُّل الذي عكسته روايتكَ''جنَّة''(1981)،نصّ روائي متدفِّق دون علامات ترقيم طيلة ثلاثمائة صفحة،ثم روايتكَ الأخرى''نساء''(1983)،وقد استعادت أسلوبا وصفيا،نفسيا ورائيا ''كلاسيكيا'' نسبيا(أودُّ الإدلاء بهذه التصورات دون إضمار نيَّة إصدار حكم.وفق معنى معين،ف"شكل''رواية النساء يعكس ''محتواها''،الذي انطوى سلفا على نهاية فترة النخبة).غالبا ما أُوِّلَ مساركَ كخيانة لتلك الحقبة،وضمنها فكر''طليعي"معين يمتثل إلى ''الاتجاه العام''.عموما،أعتقد،بأنَّ إحدى الوقائع ''البارزة''لانهيار النخبة،يكمن في نهاية مجلة ''تيل كيل''،التي صاحبها تخلٍّ شبه تامّ عن كل تقنية''تجريبية''في كتابتكَ،ثم إحدى الإشارات التاريخية الأكثر إثارة بخصوص تفكُّكِ منظومة النخبة.بالتالي،سنحاول هنا إخضاع ماتبقى منها لتشريح أوَّلي.خلال بداية الستينات،أسَّسْتَ مع جان إيديرن هاليير مجلة تيل كيل،التي صارت فيما بعد أكبر مجلة أدبية لطليعة تلك الحقبة.لم ينظر إليها،إبان سنواتها الأولى، كمجلة للنخبة.بل جاء النموذج بالأحرى،على أنها مجلة فرنسية جديدة،شَكَّلت منبرا لإلهام غاليمار طيلة القرن العشرين.اليوم،نصادفك ثانية داخل بناية غاليمار وأنت تشرف على مجلة''اللانهائي''وكذا عناوين السلسلة طيلة ثلاثين سنة.إذن،كي أضع بداية لهذا السؤال :أين تحدِّدُ المنعطف ''الطليعي'' لجماعة تيل كيل؟

ترجمات غاستون باشلار :طائر العنقاء (الحلقة2)
2024 - 06 - 27

استطاع شاعر ميتافيزيقي كما الشأن مع توماس ستيرنز إليوت،ملامسة واقعة طائر النار المبهِرَة ضمن تجرُّدها،مثل استراحة للزمن.كاتب مرهف الحس،راكم جملا متناقضة غاية أقصى مستويات حميمتها،تصاحبها تباينات عديدة،حول طائر الرفراف،طائر العنقاء في أريافنا،نار محلِّقة،وردة النار،يحيا بين طيات وميض الخيال

تروي إحدى مقاطع ''سيدة نوهان''مصادفة كائن وحيد عند طريق بقرية بيريشون :''طريق يقود نحو وجهة،لاأحد منكم ،أعزائي القراء ،قد مرَّ منها قط تقريبا،لأنها لاتفضي لمكان يستحق عناء  تورُّط من هذا القبيل، سوى لدى متهوِّر.تحدُّه حفرة، تنمو وسط مائها الممزوج بالوحل،أجمل زنابق الماء الموجودة في العالم،أشدُّ بياضا من أزهار كاميليا،وأكثر عطرا من السَّوسن،ونقاء من ثياب العذراء،وسط أنواع السمندل وكذا الثعابين التي تعيش هناك في تربة الوحل وبين النباتات، يحلّقُ الطائر الرفراف،فيضيء هذا الحيّ ضفافا،كأنَّه إشراقة نار فوق الغطاء النباتي البريِّ المدهش  للمستنقع''(1).هكذا،حضرت صورة طائر النار كي يضع النص نقطة نهاية لتحمسه الأدبي.

السيرة الذاتية
تحميل المزيد
لا مزيد من المشاركات لاظهار